فهرس الكتاب
(وسئل سفيان: المزاح هجنة؟ قال: بل سنةٌ، ولكن الشأن فيمن يحسنه ويضعه مواضعه) [1] . فمن لم يحسنه ووضعه في غير مواضعه وقع في الظلم والباطل، ومن هنا قيل: (سمي مزاحا؛ لأنه مُزيحٌ عن الحق) .
والمزْح لدى الفضلاء العقلاء له غايتان، فهو وسيلة إليهما لا غاية في ذاته:
الأولى: إدخال الأنس على الإخوان والتودد به لفتح قلوب المخاطبين بما عُهد من قول جميل وفعل حسن.
قال أبو فراس الحمداني:
أُروّح القلب ببعض الهزلِ ... تجاهلًا منّي بغير جهلِ
أَمزح فيه مزحَ أَهل الفَضل والمزحُ أَحيانًا جِلاء العقلِ
الثانية: نفي السأم عن النفس وتجديد النشاط وإبعاد الهم.
قال الشاعر:
أفِد طبعَك المكدودَ بالجِدّ راحةً ... يَجِمَّ وعللّه بشيء من المزحِ
ولكن إِذا أَعطيتَه المزح فليكن ... بمقدار ما تعطي الطَّعامَ من الملحِ
أما مزاح بعض الإخوة مع بعضهم، فلا يأتي إلا بنقيض قصده، والباعث عليه السخرية بالآخرين مما يوغر صدورهم ويملأها بالغضب وكل أنواع وحر الصدر. وذلك لأن الممازَح إما أن يردّ إن كان قادرًا فيقع في المحظور وتذهب هيبته، وإما أن يعجز عن الرد فيبلع الإهانة على مضض، وهذا ليس
(1) البغوى في شرح السنة 13/ 184.