فهرس الكتاب
من الأخوة في شيء. بل هذا هو المزاح المنهي عنه: قال - صلى الله عليه وسلم: «لا يبلغ العبد صريح الإيمان حَتَّى يَدَعَ المِزَاحَ ... » [1] .
إِن المزاحَ بدْؤه حلاوه ... لكنّما آخرُه عَداوَه
تذهبُ هيبةُ الفتى المهيبِ ... بكثرةِ المَزْحِ، من القلوبِ
يَحقِد منه الرجلُ الشريفُ ... ويجتري بسُخفه السَّخيفُ
والمزاح إذا جاوز حده كالمداومة عليه والإكثار منه، كان عامل هدم لعلاقة الأخوة، وبعض النفوس المريضة تتخذه ذريعة إلى النيل من الآخرين في صورة ظاهرها المزح وباطنها القدح، ويأتي ذلك على شكل تعليق أو نكتة أو تشبيه أو إلخ ... ثم يقول بعدها: عفوًا ... لم أكن أقصد ... إنما كنت أمزح ... إلى غير ذلك من الأعذار الباردة. قال خالد بن صفوان: (يصكُّ أحدكم صاحبَه بأشدَّ من الجندل [2] ، ويُنشقه أحرقَ من الخردل، ويُفرغ عليه أحرّ من المرجل، ثم يقول: إنما كنت أمازحك!) [3] .
والسبب في ذلك أن المزاح بيننا انقلب من كونه للاستئناس ودفع السآمة إلى التجريح والإهانة، مع أن الأصل في المزح أنه لا يقتضي تحقير الممازح ولا اعتقاد ذلك، وإلا لما جازت ممازحة الأتباع للمتبوعين كالملوك مثلا، فإن اعتقد المازح احتقار من يمازحه، دلّ هذا على الاستهزاء والسخرية. مما يورث الضغائن والأحقاد، (وكفاك أن المزح مقلوب الحزم، كما أن الحزم مقلوب المزح. رُب كلمة غمستك في الذنوب، وأفرغت على أخيك ملء الذَّنوب.
(1) صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 3/ 73.
(2) (الجَنْدَل: صخرة مثل راس الإِنسان وجمعه جَنَادِل) . لسان العرب 11/ 128.
(3) أبو البركات الغزي في المراح في المزاح 1/ 38.