فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 60

وكما أن الستر على الأخطاء والصفح عن الهفوات من أمهات الأخلاق، فهو أيضًا علامة العقل وأمارة الفطنة. قال الربيع بن سليمان: (سمعت الشافعي رحمه الله يقول: الكيس العاقل هو الفطن المتغافل) [1] . وكان عثمان بن زائدة يقول: (العافية عشرة أجزاء تسعة منها في التغافل قال: فحدثت به أحمد بن حنبل فقال: العافية: عشرة أجزاء كلها في التغافل) [2] .

وقال أبو تمام:

ليس الغبي بسيد في قومه ... لكنّ سيد قومه المتغابي

والمتغابي الذي يتظاهر بالغباء وأنه غير مدرك لما يدور حوله، ولكن الحقيقة أنه على اطلاع وفهم، وإنما نظره الثاقب وتقديره للمصلحة والمفسدة هو ما يجعله متغابيًا.

والصفح خلق رفيع وهو من ثمرات سلامة الصدر، وفراغه مما يوجب الحقد والغل على المسلمين، بل إنه يجعل العدو في صورة الولي المهتم لأمرك كما قال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [3] . (ومعنى حميم أي هميم، أُبدِلت الحاء هاء لتقاربهما، مأخوذ من الاهتمام أي مهتم بأمره، ففيه دليل أنّ الصديق لك هو المهتم بك، وإنّ الاهتمام حقيقة الصداقة) [4] .

وقال حاتم الأصم رحمه الله: (إذا رأيت من أخيك عيبًا فإن كتمته عليه فقد خنته، وإن قلته لغيره فقد اغتبته، وإن واجهته به فقد أوحشته؛ قيل له:

(1) شعب الإيمان للبيهقي 6/ 330.

(2) نفسه 6/ 330.

(3) سورة فصلت، الآية:34.

(4) قوت القلوب 2/ 360. (أحمّني هذا الأمرُ واحْتَممْتُ له: كأنه اهتمام بحَميمٍ قريبٍ) . تهذيب اللغة 4/ 11. وفي اللسان 12/ 150: (واحْتَمَمْتُ مثل اهتممت) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت