فهرس الكتاب
«عَنْ شَقِيقِ بن سَلَمَةَ، قَالَ: ذَهَبْتُ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي إِلَى سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، فَقَالَ سَلْمَانُ: لَوْلا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَانَا عَنِ التَّكَلُّفِ لَتَكَلَّفْتُ لَكَ، ثُمَّ جَاءَ بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ، فَقَالَ صَاحِبِي: لَوْ كَانَ فِي مِلْحِنَا صَعْتَرٌ [1] ، فَبَعَثَ سَلْمَانُ بِمَطْهَرَتِهِ فَرَهَنَهَا، ثُمَّ جَاءَ بِصَعْتَرٍ، فَلَمَّا أَكَلْنَاهُ، قَالَ صَاحِبِي: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَتَّعَنَا بِمَا رَزَقَنَا، فَقَالَ سَلْمَانُ - رضي الله عنه: لَوْ قَنَعْتَ بِمَا رَزَقَكَ اللَّهُ، لَمْ تَكُنْ مَطْهَرَتِي مَرْهُونَةً» [2] .
الحديث وإن كان في سياق الضيافة، إلا أن التكلف منهي عنه في كل شيء، كما هو مستفاد من نصوص أُخَر، منها قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه: «نُهِينَا عَنْ التَّكَلُّفِ» [3] .
والتكلف هو التصنع في القول أو الفعل، وهو (اسم لما يفعله الإنسان بمشقة أو بتصنع أو بتشبع) [4] . وهو على ضربين: (محمود: وهو ما يتحراه الإنسان ليتوصل به إلى أن يصير الفعل الذي يتعاطاه سهلا عليه، ويصير كلِفا به ومحبا له [5] ، الثاني: ما يتحرّاه مباهاة ورياء وهو مذموم) [6] . ومن المذموم ما قاله تعالى حكاية على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم: {وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [7] ، أي: (المتّصفين بما ليسوا من أهله) [8] .
عدم القناعة كما في الحديث قد يكون سببًا في حصول التكلف بين الإخوان، وربما دخل الضرر على أحد الطرفين كما حصل لسلمان - رضي الله عنه -، فقد رهن مطهرته ليأتي للضيف بما اشتهاه، وكأن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - أراد تأديبه وإرشاده إلى عاقبة التكلف. والسنة (أن لا يقترح ولا يتحكم - أي الزائر- بشيء بعينه، فربما يشق على المزور إحضاره، فإن خيَّره أخوه بين طعامين، فليتخير أيسرهما عليه، كذلك السنة) [9] .
وقد (روي أن رجلًا دعا عليًّا - رضي الله عنه - فقال علي: أجيبك على ثلاث شرائط: لا تُدخلْ من السوق شيئًا، ولا تدّخر ما في البيت، ولا تُجْحف بعيالك) [10] .
فالتكلف وتعاطي مالا يُقدَر عليه إلا بمشقة، أمارة على برود عاطفة الأخوة وليس العكس، بل تكون هذه المظاهر المتكلفة، تعويضًا عن هذا النقص في الأخوة، وجريًا على العادات الاجتماعية فقط.
والأخطر من ذلك، أن الأخ إذا وقع في التكلف، قد يضطر إلى أن يرهن ما يملك، أو يستدين أو يعتذر عن لقاء إخوانه، وهذه بداية الجفاء والجفوة، وربما وقع في الكذب أو إخلاف الوعد أو كراهية إخوانه والملل منهم إلخ ... فيكون عقوبة بعض هذه الذنوب التفرق والحرمان من نعمة الأخوة، كما قال - صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا تَوَادَّ اثْنَانِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا، إِلاَّ بِذَنْبٍ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُمَا» [11] .
وقد فطن السلف رحمهم الله تعالى إلى هذا الفقه اللطيف في فن التعامل، فقال الفضيل بن عياض رحمه الله - عز وجل: (إنما تقاطع الناس بالتكلف، يدعو أحدُهم أخاه فيتكلف له، فيقطعه عن الرجوع إليه) [12] . لا يرجع إليه حتى لا
(1) (الصَّعْتَرُ من البُقول، بالصاد. قال ابن سيده: هو ضرب من النَّبات واحدته صَعْتَرَة) . اللسان4/ 457.
(2) المعجم الكبير للطبراني 6/ 43. صححه الألباني.
(3) صحيح البخاري 18/ 268.
(4) المناوي في التوقيف على مهمات التعاريف 1/ 202.
(5) منه قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «اكْلَفُوا من العمل ما تطيقون» صحيح أبي داود 5/ 109. (كَلِفْت بالأَمر إذا أُولِعْت به وأَحْبَبْته) لسان العرب 9/ 307.
(6) التوقيف على مهمات التعاريف 1/ 202.
(7) سورة ص، الآية: 86.
(8) تفسير البيضاوى 5/ 56.
(9) إحياء علوم الدين 2/ 11.
(10) إحياء علوم الدين 2/ 11.
(11) مسند أحمد 9/ 259. حسنه الألباني.
(12) إحياء علوم الدين 2/ 10.