فهرس الكتاب
ولا أظن - والله - هذا المسمى استعانة بالجن المسلمين إلا ضربًا من ضروب الاستدراج، فهم أنواع من الشياطين يستدرجون أولئك بزعمهم أنهم مسلمون، وأنهم لا يريدون سوى إعانة هذا (الذي نذر نفسه لعلاج الناس!!) ، فيطلعونه على ما يعلمون ويخفى على صاحبهم، حتى إذا استحلى هذا النوع من المعرفة، وذاق هذا الطعم من الخصوصية، وعسر عليه أن ينفك مما عرف به بين الناس، حين ذلك تستولي عليه الشياطين حقًا، لتملي عليه ما تقصده في الأصل من الاستمتاع الذي هو من صور الشرك كالسجود أو الذبح أو غير ذلك.
إن الله عز وجل قال: { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ } (60) سورة الأنفال ، فهذا أمر بالإعداد للجهاد ، فكل ما يمكن الإعداد به فهو مما تشمله الآية بالأمر ، ومعلوم أن الاستعانة بالجن في مثل معارك المسلمين من أعظم الإعداد ، فلو لم يكن منهم إلا نقل المعلومات عن العدو لكان ذلك من أعظم أسباب القوة, ومع هذا كله فلم يُنقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة واحدة ، ولا في بعثٍ أو سرية أنه استعان بالجن المسلمين. بل إنه في غزوة الخندق في ليلة باردة رغب عليه الصلاة والسلام في التعرف على أحوال الكفار ، فلم يجد إلا أن ينتدب من أصحابه من يأتيه بخبرهم ، وقد كرر عليهم الطلب فلم يقم أحد ، حتى أمر حذيفة - رضي الله عنه - بأن يأتيه بالخبر ، قال حذيفة: فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم ، وذلك لشدة الأمر في تلك الليلة بين الخوف والبرد.
فلو كانت الاستعانة بالجن المسلمين جائزة لكانت تلك الليلة من أعظم أوقات الحاجة ، إن لم تكن ضرورة ، فما كان على النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يدعو جنيًا ممن أسلم على يديه ليأتيه بالخبر في لحظة ، دون أن يشق على أصحابه ، فدل على أن الاستعانة بهم أصلًا غير واردة بل هي ممنوعة. ...