فهرس الكتاب
لهذا النبي صلّى الله عليه وسلّم إنّك قد قرأت هذا النصّ أو إنّ من أهلك أو رفاق الطفولة أو الشباب من قرأ عليك هذه النصوص، ووعيتها عنه، ثم جئتنا تتلوها علينا!!
ولو كان هذا النصّ متداولًا، لقال له العرب: إنك تتحدانا بمعارف مشاعة عندنا، وتزعم أنّ كتابك يُعلِمنا بما لا نعلم، مع أنّ ما تخبر به موجود في كتاب عربي قريب من أيدينا، لنا أن نخبرك بما لا تعلم منه .. لكنهم لم يفعلوا!
ولو أنّ هذا النصّ العربي كان متاحًا؛ لاتخذه العرب وسيلة لمحاججة هذا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وسبيلًا لمحاولة نقض ما جاء به وإبطال ما يدعو إليه .. ولكنهم لم يفعلوا!
كما أنه يفهم بصورة قاطعة من الحديث الذي أخرجه (( البخاري ) )في صحيحه، أنّ العرب لم يعرفوا نصًا عربيًا لأسفار اليهود .. فقد قال (( أبو هريرة ) )-رضي الله عنه- متحدثًا عن مصدر اطّلاع المسلمين أصحاب اللسان العربي زمن البعثة النبوية على مضمون (التوراة) : (( كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (( لا تصدّقوا أهل الكتاب، ولا تكذّبوهم، وقولوا: (( آمنا بالله وما أنزل إلينا. ) ))) [1]
لقد كان يحول بين العرب وبين معرفة ما تتضمنه التوراة، أنّ لغة أسفار اليهود عبرانية لا يعرفها سكان الجزيرة من الوثنيين، وهو ما دفع أهل الكتاب إلى أن يقرؤوا نصوصهم أولًا باللغة العبريّة، ثم يقوموا بتفسيرها في غير لغتها .. ولو أنها كانت بلغة العرب ابتداءً لما كلّف اليهود أنفسهم عنتًا. [2]
(1) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا، ح/4485
(2) قد يستدلّ البعض بحديث (( جابر بن عبد الله ) )رضي الله عنه أن (( عمر بن الخطاب ) )أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: (( أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به والذي نفسي بيده لو أن موسى كان فيكم حيًا ما وسعه إلا أن يتبعني. ) ).. وهو حديث ليس بحجّة للمخالف لثلاثة أسباب:
(1) ليس الحديث محكم الدلالة أنّ (( عمر ) )رضي الله عنه كانت عنده ترجمات عربية لأسفار الكتاب المقدس، ولعلّها-إن صحّ الحديث جدلًا- بعض الحِكم المنقولة منها.
(2) معارضة فهم المخالف للثابت من غياب ترجمة عربيّة.
(3) هذا الحديث لا يصحّ عند التحقيق:
قال الإمام (( ابن مفلح ) ): (( وهو مشهور رواه أحمد وغيره. وهو من رواية مجالد وجابر الجعفي وهما ضعيفان ) ) (الآداب الشرعيّة، ت/ شعيب الأرنؤوط وعمر القيام، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1417هـ، 1996م، 2/ 100)
قال الهيثمي: (( فيه مجالد بن سعيد ضعّفه أحمد ويحيى بن سعيد وغيرهما ) ) (مجمع الزوائد، ت/ عبد الله محمد الدرويش، بيروت: دار الفكر، 1413هـ، 1992م، 1/ 420)