ورحم الله ابن القيم يوم أن قال: (لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء، والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار والضب والحوت، فإذا حدَّثَتْك نفسك بطلب الإخلاص ،فأقبل على الطمع أولًا فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سَهُلَ عليك الإخلاص فإن قلت: وما الذي يُسهِّل علي ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح؟ قلت: أما ذبح الطمع فيسهله عليك يقينك أنه ليس شيء يُطمع فيه إلا وبيد الله وحده خزائنه لا يملكها غيره ولا يُؤتي العبد منها شيئًا سواه، وأما الزهد في الثناء والمدح فيسهله عليك علمك أنه ليس أحد ينفع مدحه ويزين ويضر ذمه ويشين إلا الله وحده) [1] . اهـ.
وذلك لا يتأتى إلا بأن يُعظَّم الله في قلبك بأن تعلم أنه يراك ويراقبك ويعلم سرك ونجواك وأن تتذكر أنك يومًا ما ستقف بين يديه ولن يتقبل منك إلا ما أخلصت له فيه.
{ قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ } [2] عندها ستشعر بأن قلبك هو أول من يتأثر بنصائحك ومواعظك.
أخي حفظك الله وأنت تدعو الناس اقرع أبواب قلبك بهذا الحديث. فقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد: من كان أشرك في عمله لله أحدًا فليطلب ثوابه من عنده، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك» [3] .
وقد قال الله في حال هؤلاء: { وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا } [4] .
(1) الفوائد لابن القيم ص218.
(2) سورة المائدة، الآية: 119.
(3) رواه الترمذي وابن ماجة وابن حبان والبيهقي، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: حديث حسن.
(4) سورة الفرقان، الآية: 23.