وفي غضون ذلك انتهى الابن من صلاته، ولما فتح باب الغرفة إذا بأبيه جالس يبكي، فلما رأى الأب ابنه اشتد بكاؤه وضم ابنه وقال له: والله لا أضايقك بعد اليوم.
والأعجب من ذلك كله ما قاله الشيخ بعدها، حيث قال: وكان الأب بعد ذلك ربما قام مع ابنه يصليان آخر الليل سويًا.
وفي ختام هذه الوصية: أقول لكل من عطل هذا السلاح ولم يستعمله تهاونًا به:
أتهزأ بالدعاء وتزدريه
وما تدري بما صنع الدعاء
سهام الليل لا تخط ولكن
لها أمدٌ وللأمد انقضاء
أما خامس وصية أوصيك بها وهي في تعاملك مع الناس.. فهي رفق ولين ينبعان من رحمة وضعها الله في قلبك.. وبهذا امتدح الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال له: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } [1] .
فقد كان عليه الصلاة والسلام رحيمًا برحمة الله لعباده.. لينًا رفيقًا سمحًا مبشرًا لا منفرًا.. ميسرًا لا معسرًا.. يدعو الناس بسماحة جعلت الأمة تنقاد إليه.
كيف لا؟! وهو المبعوث - بأبي هو وأمي - رحمة للعالمين { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } [2] .
كان - صلى الله عليه وسلم - يدعو الناس بجميع تصرفاته، ولو وقفنا مع مواقفه في دعوة الناس لاحتجنا إلى مجلدات ولا تكفي، وأيام وسوف تنقضي ونحن نعدد في الدروس والعبر التي استفدناها من سيرته - صلى الله عليه وسلم - .
ولكن.. أخي كما يقولون: ما لا يدرك جله لا يترك كله.
أقف أنا وإياك على عجالة مع هذا الموقف الذي وقعت أحداثه في مجلسه - صلى الله عليه وسلم - والذي تتألق فيه رحمته ورفقه ولينه تألق الشمس في رابعة النهار حيث أتاه شاب تجري في عروقه حرارة الشباب.. أتاه ليسأله شيئًا!!
فيا ترى: عن ماذا سيسأله؟؟
لقد سأله وبكل جرأة أن يأذن له بالزنى!! نعم الزنى..
(1) سورة آل عمران، الآية 159.
(2) سورة الأنبياء، الآية 107.