فكيف لا ترق القلوب لحال هؤلاء؟ وهم يسيرون في طريق أوله خزيٌ وعارٌ، وآخره نارٌ وأي نار.. نارٌ تلظى، لا يصلاها إلى الأشقى.. نارٌ حرها شديد.. وقعرها بعيد.. وطعام أهلها الزقوم وشرابهم فيها الصديد.. يُقالُ لأحدهم وهو يُلقى فيها: { لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ } [1] .
نعم.. كان في غفلة من الموت والقبر.. والبعث والحشر.. والجنة والنار.
ولكن: أتدري كيف غفل أكثر أهل النار؟؟
لقد غفلوا يوم أن غفل بعض الأخيار عنهم.. وما انتشرت هذه المنكرات إلا يوم أن سُكِتَ عنها وعن أهلها، ولم ينصحوا ولم يُدعوا إلى الله.
أخي.. إن الخطب جلل، والأمر جدُّ خطير، وإني وإياكم إذا لم تحترق قلوبنا حسرةً وألمًا على حالهم، ولم يصحب الحسرة سعي في هدايتهم، فإني - ورب البيت - أخشى أن يعمنا الله بعقاب من عنده، لا ينزعه عنا حتى نراجع ديننا [2] .
فالواجب إذًا علينا: ألا تقر أعيننا بالمنام وهم على هذا الحال.. وأن يكون همُنا الأول والأخير.. كيف نُخرج هؤلاء الناس من هذا الظلام ونقودهم إلى دار السلام بإذن رب الأنام.. كيف نخرج من غفل وضل من ظلمات المعاصي إلى نور الطاعة.. حادينا في ذلك كله قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا» [3] .
ولعله لا يخفى أن قلوب كثير من الناس فيها خير عظيم، ولكن هذا الخير يحتاج إلى من يُحَرِّكه، ويشعرهم بقيمتهم في هذه الحياة.
قلوب الكثير منهم كالمرآة علاها وغطاها الغبار، فمتى استطعنا أن نجلوه عنها ظهرت لنا الصورة الصافية، وظهر لنا الإيمان بصفائه ونقائه.
(1) سورة ق، الآية 22
(2) قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه يوشك الله أن يعمهم بعقابه» أخرجه أصحاب السنن وأحمد بإسناد صحيح.
(3) رواه مسلم.