الجزء الثاني: العدو .. مَن هو .. ؟! وبِمَن نبدأ .. ؟! .. ومَن نحيد .. ؟!
وتمهيدًا لطَرْقِ موضوع العدو وترتيب العمل على الأعداء, أسوق ملخصًا للعمل الجهادي على نوعين من الأعداء, وهي تجارب معاصرة, نستنبط منها الكثير ..
التجربة الأولى: الجهاد ضد الأنظمة الحاكمة:
انصرم ما يقرب من ثلث قرن منذ أن دارت رحى التغير ضد الأنظمة الحاكمة في مصر والشام وغيرهم من الدول العربية, وخلاصة التجربة في كافة الدول العربية .. اندفاع غير منظم للتيارات الإسلامية الفتية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. الاصطدام مع فلسفة النظام العلمانية .. استدراج دموي من أجهزة الأمن .. تحول من العمل الدعوي إلى العمل الجهادي وبدأ عمليات انتقامية على غير ترتيب .. سوء اختيار الأهداف .. عدم التوفيق في تحديد مفتاح الصراع .. فقد الجانب الإعلامي في المعركة وسيطرة النظام على هذا الجانب .. تشويه علماء النظام الحاكم للمجاهدين ووصمهم بالخوارج .. ضعف المجهود السياسي للمجاهدين مما أدى إلى عزل الحركات الجهادية عن مجتمعاتها .. دعم عالمي للنظام .. انتكاسات عسكرية للمجاهدين .. هجرة المجاهدين للخارج .. سيطرة النظام .. أسر .. تراجع .. ولا حول ولا قوة إلا بالله ..
إن كل بند من البنود السابقة يحتاج إلى فصل كامل ليشرح فيه ونذكر عليه أمثلة حتى تتضح الصورة كاملة للجيل الجديد .. ولهذا إن شاء الله سأعود وألخص الفوائد بعد قليل .. ومن خلال الرسائل القادمة أتطرق لبعض العناصر ..
التجربة الثانية: الجهاد ضد الأنظمة الدولية العالمية:
لقد كان الاتحاد السوفيتي يملك عقيدة ومنهجًا كما كان أسطورةً عسكرية .. ولم يكن من الممكن أن يقضي عليه الحلفُ الغربي .. فعلى المستوى العسكري مثل الاتحاد السوفيتي أكبر قوة برية عرفها التاريخ .. وعلى المستوى الحضاري دفع بالنظرية الشيوعية, ونظَّر لها, وجعلها عقيدة وديانة انتشرت في نصف العالم, ودان له حكَّامُ المسلمين, وأخضعوا شعوبهم له .. وهزم التوجهُ الشيوعي التوجه التحرري الرأسمالي أيما هزيمة .. وأدرك المعسكر الغربي أنه لن يوقف هذا المدَّ الشيوعي إلا مدُّ حضاريٌّ متماسكُ البناء, وبالطبع كانوا عاجزين أن يكونوا هم المدَّ الحضاري الذي يواجه الشيوعية .. ولم يكن في الأفق سوى الإسلام .. فلم يجدوا مناصًا من تحريض أتباعهم من الحكّام على السماح بعودة الإسلام .. ففتح للإسلام الباب .. إلا أن الدبَّ السوفيتي تعجل وأراد المياه الدافئة ونفط العرب .. فسقط الدب السوفيتي في أفغانستان .. أفغانستان الإسلام والجهاد .. وقاد الجهاد العلماء ومعهم الشعب الأفغاني البطل .. الذي ضحى بكل شيء من أجل أن يحكم بالإسلام .. وحظيت التجربة بالعالمية الإسلامية .. ووفد لأفغانستان فلذات أكباد الأمة .. فانتصر الإسلام ونفق الدب السوفيتي .. ونفقت معه نظريته وأيدلوجيته .. وانفرط نظمه وكل مَن كان يسبّح بحمده إلا قليلًا .. تحررت أوروبا الشرقية وأغلب دول أفريقيا .. ووسط أسيا وانتشرت فيها الثورات وأصبح الاتحاد السوفيتي أثرًا بعد عين ..
والسؤال: لقد حكم الاتحاد السوفيتي نصف العالم بآلة عسكرية مهولة .. ومنهج منظر مرتب! فماذا يملك المعسكر الغربي الليبرالي الإمبريالي .. آلة عسكرية مهولة ومنهج (الإباحية) أشد هشاشة من المنهج الشيوعي .. ومهما بلغت الآلة العسكرية من قوة, فلن تحكم العالم أبدًا دون أن يكون لها مد حضاري حقيقي .. فلا يمحو المد الحضاري إلا مدٌّ حضاريٌّ أقوى منه .. وللتذكير فقد ملك التتار قوة مهولة .. ثم ماذا؟!