فهرس الكتاب
والتي تعيش وتتمتع ثم تموت وتنفق، بدون أن تعرف لها هدفا، أو تدرك لحياتها سرا، إنه مخلوق صغير تافه لا وزن له ولا قيمة، وجد ولا يعرف: كيف وجد، ولا من أوجده؟ ويعيش ولا يدرى: لماذا يعيش؟ ويموت ولا يعلم لماذا يموت؟ وماذا بعد الموت؟ إنه في شك ـ بل في عمى ـ من أمره كله: محياه ومماته، مبدئه ومنتهاه، كالذين قال الله فيهم: (بل أدارك علمهم في الآخرة، بل هم في شك منها، بل هم منها عمون) .
وما أقسى حياة إنسان يعيش في جحيم الشك والحيرة أو في ظلمات العمى والجهل، في أخص ما يخصه: في حقيقة نفسه، وسر وجوده، وغاية حياته. إنه الشقي التعيس حقا، وإن غرق في الذهب والحرير وأسباب الرفاهية والنعيم، وحمل أرقى الشهادات، وتسلم أعلى الدرجات! وفرق كبير بين إنسان كعمر الخيام يقول في حال حيرته وشكه:
لبست ثوب العمر لم أستشر وحرت فيه بين شتى الفكر!
سوف أنضو الثوب عني، ولم أدر: لماذا جئت، أين المفر؟
وبين آخر يقول في يقين وطمأنينة:
وما الموت إلا رحلة، غير أنها من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي!
وحرت فيه بين شتى الفكر:
ويقول عمر بن عبد العزيز:"إنا خلقنا للأبد، وإنما ننقل من دار إلى دار".
إن حاجة الإنسان إلى الدين تنبثق ـ قبل كل شيء ـ من حاجته إلى معرفة حقيقة نفسه وإلى معرفة حقائق الوجود الكبرى، وأول هذه الحقائق وأعظمها:
وجود الله تعالى ووحدانيته وكماله سبحانه، فبمعرفته والإيمان به ـ جل شأنه ـ تنحل عقد الوجود، ويتضح للإنسان الغاية والوجهة، ويتحدد المنهج والطريق.
* حاجة الفطرة البشرية: