فهرس الكتاب
والدين هو الذي يعرف الإنسان: إلى أين يسير بعد الحياة والموت؟ إنه يعرفه أن الموت ليس فناء محضا، ولا عدما صرفا، إنما هو انتقال إلى مرحلة أخرى . . إلى حياة برزخية بعدها نشأة أخرى توفى فيها كل نفس ما كسبت، وتخلد فيما عملت، فلا يضيع هناك عمل عامل من ذكر أو أنثى، ولا يفلت من العدل الإلهي جبار أو مستكبر: ( يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) بهذا يعيش الإنسان بوجدانه في الخلود، ويعلم أنه خلق للأبد، وإنما انتقل بالموت من دار إلى دار.
والدين هو الذي يعرف الإنسان: لماذا خلق؟ ولماذا كرم وفضل؟ يعرفه بغاية وجوده، ومهمته فيه، إنه لم يخلق عبثا، ولم يترك سدى، إنه خلق ليكون خليفة الله في الأرض، يعمرها كما أمر الله، ويسخرها لما يحب الله، يكشف مكنوناتها، ويأكل من طيباتها، غير طاغ على حق غيره، ولا ناس حق ربه. وأول حقوق ربه عليه أن يعبده وحده، ولا يشرك به شيئا، وأن يعبده بما شرع، على ألسنة رسله، الذين بعثهم إليه هداة معلمين، مبشرين ومنذرين، فإذا أدى مهمته في هذه الدار المحفوفة بالتكليف والابتلاء، وجد جزاءه هناك في الدار الآخرة: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا) .
بهذا يدرك الإنسان سر وجوده، ويستبين مهمته في الحياة، بينها له بارئ الكون، وواهب الحياة، وخالق الإنسان.
إن الذي يعيش بغير دين ـ بغير عقيدة في الله والآخرة ـ إنسان شقي محروم حقا. إنه في نظر نفسه مخلوق حيواني، ولا يفترق عن الحيوانات الكبيرة التي تدب على الأرض من حوله . . .