الصفحة 192 من 512

ونحن - على منهجنا في هذه الظلال - لا نتعرض لهذه الأمور الغيبية بتفصيل لم يرد به نص قرآني أو حديث نبوي صحيح متواتر . فهي من أمور لاعتقاد التي لا يلتزم فيها إلا بنص هذه درجته . ولكننا في الوقت ذاته لا نقف موقف الإنكار والرفض . .

وفي هذا الحديث نص قرآني يثبت منه أن الشيطان زين للمشركين أعمالهم , وشجعهم على الخروج بإعلان إجارته لهم ونصرته إياهم ; وأنه بعد ذلك - لما تراءى الجمعان أي بريء منكم إني رأى أحدهما الآخر - (نكص على عقبيه وقال:إني أرى ما لا ترون , إني أخاف الله , والله شديد العقاب) . . فخذلهم وتركهم يلاقون مصيرهم وحدهم , ولم يوف بعهده معهم . .

ولكننا لا نعلم الكيفية التي زين لهم بها أعمالهم , والتي قال لهم بها:لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم . والتي نكص بها كذلك وقال ما قاله بعد ذلك . .

الكيفية فقط هي التي لا نجزم بها . ذلك أن أمر الشيطان كله غيب ; ولا سبيل لنا إلى الجزم بشيء في أمره إلا في حدود النص المسلم . والنص هنا لا يذكر الكيفية إنما يثبت الحادث . .

فإلى هنا ينتهي اجتهادنا . ولا نميل إلى المنهج الذي تتخذه مدرسة الشيخ محمد عبده في التفسير من محاولة تأويل كل أمر غيبي من هذا القبيل تأويلا معينا ينفي الحركة الحسية عن هذه العوالم . وذلك كقول الشيخ رشيد رضا في تفسير الآية:

(وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم , وقال:لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم) . . أي واذكر أيها الرسول للمؤمنين , إذ زين الشيطان لهؤلاء المشركين أعمالهم بوسوسته , وقال لهم بما ألقاه في هواجسهم:لا غالب لكم اليوم من الناس , لا أتباع محمد الضعفاء ولا غيرهم من قبائل العرب , فأنتم أعز نفرا وأكثر نفيرا وأعظم بأسا , وإني مع هذا - أو والحال أني - جار لكم . قال البيضاوي في تفسيره:وأوهمهم أن اتباعهم إياه , فيما يظنون أنها قربات , مجير لهم , حتى قالوا:اللهم انصر أهدى الفئتين وأفضل الدينين"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت