فهرس الكتاب
هذه اللمسات العجيبة من الريشة المبدعة في رسم ملامح النفوس , تشي بذاتها بأن مصدر هذا القول المعجز ليس مصدرا بشريا على الإطلاق . فاللمسات البشرية لا تستوعب - في لمسات سريعة كهذه - أعمق خصائص النماذج الإنسانية , بهذا الوضوح , وبهذا الشمول .
إن كل كلمة أشبه بخط من خطوط الريشة في رسم الملامح وتحديد السمات . . وسرعان ما ينتفض النموذج المرسوم كائنا حيا , مميز الشخصية . حتى لتكاد تشير بأصبعك إليه , وتفرزه من ملايين الأشخاص , وتقول:هذا هو الذي أراد إليه القرآن ! . .
إنها عملية خلق أشبه بعملية الخلق التي تخرج كل لحظة من يد الباريء في عالم الأحياء !
هذا المخلوق الذي يتحدث , فيصور لك نفسه خلاصة من الخير , ومن الإخلاص , ومن التجرد , ومن الحب , ومن الترفع , ومن الرغبة في إفاضة الخير والبر والسعادة والطهارة على الناس . .
هذا الذي يعجبك حديثه . تعجبك ذلاقة لسانه , وتعجبك نبرة صوته , ويعجبك حديثه عن الخير والبر والصلاح . .
(ويشهد الله على ما في قلبه) . .
زيادة في التأثير والإيحاء , وتوكيدا للتجرد والإخلاص , وإظهارا للتقوى وخشية الله . .
(وهو ألد الخصام) ! تزدحم نفسه باللدد والخصومة , فلا ظل فيها للود والسماحة , ولا موضع فيها للحب والخير , ولا مكان فيها للتجمل والإيثار .
هذا الذي يتناقض ظاهره وباطنه , ويتنافر مظهره ومخبره . .
هذا الذي يتقن الكذب والتمويه والدهان . .
حتى إذا جاء دور العمل ظهر المخبوء , وانكشف المستور , وفضح بما فيه من حقيقة الشر والبغي والحقد والفساد:
(وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها , ويهلك الحرث والنسل , والله لا يحب الفساد) . . وإذا انصرف إلى العمل , كانت وجهته الشر والفساد , في قسوة وجفوة ولدد , تتمثل في إهلاك كل حي من الحرث الذي هو موضع الزرع والإنبات والأثمار , ومن النسل الذي هو امتداد الحياة بالإنسال . .