الصفحة 53 من 512

وإهلاك الحياة على هذا النحو كناية عما يعتمل في كيان هذا المخلوق النكد من الحقد والشر والغدر والفساد . .

مما كان يستره بذلاقة اللسان , ونعومة الدهان , والتظاهر بالخير والبر والسماحة والصلاح . .

(والله لا يحب الفساد) . .

ولا يحب المفسدين الذين ينشئون في الأرض الفساد . . والله لا تخفى عليه حقيقة هذا الصنف من الناس ; ولا يجوز عليه الدهان والطلاء الذي قد يجوز على الناس في الحياة الدنيا , فلا يعجبه من هذا الصنف النكد ما يعجب الناس الذين تخدعهم الظواهر وتخفى عليهم السرائر .

ويمضي السياق يوضح معالم الصورة ببعض اللمسات:

(وإذا قيل له:اتق الله أخذته العزة بالإثم . فحسبه جهنم ولبئس المهاد) . .

إذا تولى فقصد إلى الإفساد في الأرض ; وأهلك الحرث والنسل ; ونشر الخراب والدمار ; وأخرج ما يعتمل في صدره من الحقد والضغن والشر والفساد . .

إذا فعل هذا كله ثم قيل له: (اتق الله) . .

تذكيرا له بخشية الله والحياء منه والتحرج من غضبه . .

أنكر أن يقال له هذا القول ; واستكبر أن يوجه إلى التقوى ; وتعاظم أن يؤخذ عليه خطأ وأن يوجه إلى صواب . وأخذته العزة لا بالحق ولا بالعدل ولا بالخير ولكن (بالإثم) . .

فاستعز بالإجرام والذنب والخطيئة , ورفع رأسه في وجه الحق الذي يذكر به , وامام الله بلا حياء منه ; وهو الذي كان يشهد الله على ما في قلبه ; ويتظاهر بالخير والبر والإخلاص والتجرد والاستحياء !

إنها لمسة تكمل ملامح الصورة , وتزيد في قسماتها وتمييزها بذاتها . . وتدع هذا النموذج حيا يتحرك . تقول في غير تردد:هذا هو . هذا هو الذي عناه القرآن ! وأنت تراه أمامك ماثلا في الأرض الآن وفي كل آن !

وفي مواجهة هذا الاعتزاز بالإثم ; واللدد في الخصومة ; والقسوة في الفساد ; والفجور في الإفساد . .

في مواجهة هذا كله يجبهه السياق باللطمة اللائقة بهذه الجبلة النكدة:

(فحسبه جهنم , ولبئس المهاد !) . .

حسبه ! ففيها الكفاية !

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت