الصفحة 64 من 512

فسُلي ثيابي عن ثيابككِ تَنْسِل ... ومن لطائف البلاغة جعل اللباس لباس شيئين ، لأن تمام اللبسة أن يلبس المرء إزارًا ودرعًا .

ولما كان اللباس مستعارًا لإحاطة ما غشيهم من الجوع والخوف وملازمتهِ أريد إفادة أن ذلك متمكّن منهم ومستقرّ في إدراكهم استقرار الطعام في البَطن إذ يُذاق في اللسان والحلق ويحسّ في الجَوف والأمعاء .

فاستعير له فعل الإذاقة تمليحًا وجمعًا بين الطعام واللباس ، لأن غاية القرى والإكرام أن يُؤْدَب للضيف ويُخلع عليه خلعة من إزار وبرد ، فكانت استعارتان تهكّميتان .

فحصل في الآية استعارتان: الأولى: استعارة الإذاقة وهي تبعية مصرحة ، والثانية: اللباس وهي أصليّة مصرّحة .

ومن بديع النظم أن جعلت الثانية متفرّعة على الأولى ومركّبة عليها بجعل لفظها مفعولًا للفظ الأولى . وحصل بذلك أن الجوع والخوف محيطان بأهل القرية في سائر أحوالهم وملازمان لهم وأنهم بالغان منهم مبلغًا أليمًا .

وأجمل بما كانوا يصنعون اعتمادًا على سبق ما يبيّنه من قوله: { فكفرت بأنعام الله } .

وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113)

لما أخبر عنهم بأنهم أذيقوا لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ، وكان إنما ذكر مِن صُنعهم أنهم كفروا بأنعم الله ، زيد هنا أن ما كانوا يصنعون عامّ لكل عمل لا يرضي الله غير مخصوص بكفرهم نعمةَ الله ، وإن من أشنع ما كانوا يصنعون تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه منهم . وذلك أظهر في معنى الإنعام عليهم والرّفق بهم . وما من قرية أُهلكت إلا وقد جاءها رسول من أهلها { وما كان ربّك مهلك القرى حتى يبعث في أمّها رسولًا يتلو عليهم آياتنا } [ سورة القصص: 59 ] والأخذ: الإهلاك . وقد تقدم عند قوله تعالى: { فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون } في سورة الأعراف ( 95 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت