الصفحة 63 من 512

ومن كل مكان بمعنى من أمكنة كثيرة . و { كل } تستعمل في معنى الكثرة ، كما تقدم في قوله تعالى: { وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها } في سورة الأنعام ( 25 ) .

والأنعمُ: جمع نعمة على غير قياس .

ومعنى الكفر بأنعم الله: الكفر بالمنعِم ، لأنهم أشركوا غيره في عبادته فلم يشكروا المنعم الحَقّ . وهذا يشير إلى قوله تعالى: { يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون } [ سورة النحل: 83 ] .

واقتران فعل كفرت بفاء التعقيب بعد كانت آمنة مطمئنة باعتبار حصول الكفر عقب النعم التي كانوا فيها حين طرأ عليهم الكفر ، وذلك عند بعثة الرسول إليهم .

وأما قَرْن { فأذاقها الله لباس الجوع } بفاء التعقيب فهو تعقيب عُرفي في مثل ذلك المعقّب لأنّه حصل بعد مضي زمن عليهم وهم مصرّون على كفرهم والرسول يكرّر الدعوة وإنذارهم به ، فلما حصل عقب ذلك بمدة غير طويلة وكان جزاءً على كفرهم جعل كالشيء المعقّب به كفرهم .

والإذاقة: حقيقتها إحساس اللسان بأحوال الطعوم . وهي مستعارة هنا وفي مواضع من القرآن إلى إحساس الألم والأذى إحساسًا مَكينًا كتمكّن ذوق الطعام من فم ذائقه لا يجد له مدفعًا ، وقد تقدم في قوله تعالى: { ليذوق وبال أمره } في سورة العقود ( 95 ) .

واللباس: حقيقته الشيء الذي يلبس . وإضافته إلى الجوع والخوف قرينة على أنه مستعار إلى ما يغشَى من حالة إنسان ملازمةٍ له كملازمة اللباس لابسَه ، كقوله تعالى: { هنّ لباس لكم وأنتم لباس لهنّ } [ سورة البقرة: 187 ] بجامع الإحاطة والملازمة .

ومن قبيلها استعارة ( البِلى ) لزوال صفة الشخص تشبيهًا للزوال بعد التمكّن ببلى الثوب بعد جدته في قول أبي الغول الطهوي:

ولا تَبلَى بسالتهم وإن هم ... صُلوا بالحرب حينًا بعد حين واستعارة سلّ الثياب إلى زوال المعاشرة في قول امرىء القيس:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت