الصفحة 62 من 512

ثم إذا رسول منهم ، يعرفونه صادقا أمينا ، ولا يعرفون عنه ما يشين ، يبعثه الله فيهم رحمة لهم وللعالمين ، دينه دين إبراهيم باني البيت الذي ينعمون في جواره بالأمن والطمأنينة والعيش الرغيد ؛ فإذا هم يكذبونه ، ويفترون عليه الافتراءات ، وينزلون به وبمن اتبعوه الأذى . وهم ظالمون .

والمثل الذي يضربه الله لهم منطبق على حالهم ، وعاقبة المثل أمامهم . مثل القرية التي كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله ، وكذبت رسوله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون وأخذ قومها العذاب وهم ظالمون .

ويجسم التعبير الجوع والخوف فيجعله لباسا ؛ ويجعلهم يذوقون هذا اللباس ذوقا ، لأن الذوق أعمق أثرا في الحس من مساس اللباس للجلد . وتتداخل في التعبير استجابات الحواس فتضاعف مس الجوع والخوف لهم ولذعه وتأثيره وتغلغله في النفوس . لعلهم يشفقون من تلك العاقبة التي تنتظرهم لتأخذهم وهم ظالمون

وفي التحرير والتنوير - (ج 8 / ص 146)

والمراد بالقرية أهلها إذ هم المقصود من القرية كقوله: { واسأل القرية } [ سورة يوسف: 82 ] .

والأمن: السلامة من تسلّط العدو .

والاطمئنان: الدّعة وهدوء البال . وقد تقدّم في قوله تعالى: { ولكن ليطمئنّ قلبي } في سورة البقرة ( 260 ) ، وقوله: { فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة } في [ سورة النساء: 103 ] .

وقدم الأمن على الطمأنينة إذ لا تحصل الطمأنينة بدونه ، كما أن الخوف يسبّب الانزعاج والقلق .

وقوله: { يأتيها رزقها رغدًا } تيسير الرزق فيها من أسباب راحة العيش ، وقد كانت مكّة كذلك . قال تعالى: { أو لم نمكّن لهم حرمًا آمنًا تجبى إليه ثمرات كل شيء } [ سورة القصص: 57 ] . والرزق: الأقوات . وقد تقدم عند قوله: { لا يأتيكما طعام ترزقانه } في سورة يوسف ( 37 ) .

والرّغد: الوافر الهنيء . وتقدم عند قوله: { وكلا منها رغدًا حيث شئتما } في سورة البقرة ( 35 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت