الوجه الثاني: القول بتقديم الحرية على الشريعة يعني أنه لو وصل أحد الإسلاميين إلى الحكم فلا يجوز أن يحكم بالشريعة إلا إذا خيَّر الناس بين الشريعة وغيرها، ومتى كان الناس هم الحَكَم على شرع الله؟
ألم يقل الله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ} ، وقال سبحانه: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًَا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} .
الوجه الثالث: هل يقول أحد: الحرية قبل الالتزام بقوانين الدولة، أم أنَّ قوانينَ الدولةِ تسري على الجميع؟ أليس نظام الإسلام هو الأَوْلى بذلك.
فنظام الإسلام هو أكمل نظام عرفته البشرية لإصلاح الفرد والمجتمع، وأفضل تصوُّر للوجود والحياة، فقد اعترف بحاجات الناس ومطالبهم الدينية والدنيوية، الروحية والجسدية، فهو دين جاء لجلب المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها، دينٌ يحارب الظلم والطغيان ويؤيد العدل والإحسان، دينُ الفطرة، {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًَا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} .
قال الدكتور محمد راتب النابلسي: (يتوهم الإنسان أن التحريم الواضح في القرآن مثل تحريم الربا والزنا قيود وضعها الدين عليه، لكنها في الحقيقة حماية لسلامته، تمامًا كوضع لوحة"ممنوع الاقتراب ـ حقل ألغام") . قال تعالى: {مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .
ـ والإسلام دين يتوافق مع العقل، فلا تعارض بين العقل الصريح والنقل الصحيح القطعي الثبوت والدلالة، وإذا ظهر شيء من التعارض فإما أن النقل غير صحيح ثبوتًا أو غير صريح دلالة، أو العقل غير قطعي صريح، أو هو تعارض في فهم مَنْ قَصُرَ فهمُه عن إدراك المسألة إدراكًا سليمًا.