الصفحة 2 من 33

فالتاجر يبني على حساب فيما له وعليه فيرتبط في الأخذ والعطاء والشراء والبيع بديون في ذمته ومواعيد بحسب ماله من استحقاقات في تلك المواعيد. فإذا لم يستوف استحقاقاته في مواعيدها لا يستطيع أن يؤدي ما عليه، وكم من إفلاس شخص في التجارة جر وراءه إفلاسات كثيرة لدائنيه في ظل النظم والقوانين التجارية الزمنية.

ومن هنا تجسمت اليوم مشكلة مماطلة المدين في الوفاء، وكثر السؤال عنها: أفلا يستحق الدائن تعويضًا عن ضرره من المدين المماطل؟ وهل في الشرع الإسلامي ما ينافي ذلك؟

هل عالج الفقهاء قبلًا هذه المسألة؟

لم يعالج فقهاء المذاهب قبلًا فيما أعلم هذه المسألة، أعني تعويض الدائن عن تأخير الوفاء المستحق في المداينات، ولم يبحثوها. ومرد ذلك في تقديري وظني إلى ثلاثة أمور:

الأول: أنه لم يكن لهذا الأمر من الأهمية والتأثير في حركة التعامل والتجارة ما أصبح له في العصر الحاضر، كما ألمحنا إليه آنفًا.

الثاني: أن وصول الدائن إلى حقه عن طريق القضاء عند تأخير المدين ومماطلته كان ميسورًا وسريعًا، إذ كان القاضي في العصور الفقهية الأولى يجلب الخصم -بناء على مراجعة شفهية من المدعى- برقعة صغيرة أو إشارة يعطيها لجواز المحكمة (المحضر) تشعره بأنه مطلوب إلى مجلس القاضي، ويقضي في المسألة في الجلسة نفسها، أو يمهل المدعى إلى اليوم الثاني لإقامة البينة إن أنكر الخصم ولم تكن البينة حاضرة.

أما في عصرنا، وفي ظل نظام المرافعات وأصول المحاكمات ومجالات التأجيل وبطء السير في القضايا، وفن المجادلة والمماطلة والمراوغة الذي برع فيه كثير من المحامين، حتى أن بعضهم قد يأخذ الوكالة في القضية الميئوس منها قضاء لا ليربح الحكم فيها للمدعى عليه، بل للتأجيل بشتى الوسائل التي فتح فيها القانون أبوابًا لحماية المدعى عليه، واستخدامها لتأخير الحكم في القضية إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت