إنَّها الموازين الحقيقيَّة للقُوى والقِيَم، مَن كانت قوَّة الله معه فلا خوف عليه، وإن اجتمع عليه من بأقطارها، ومن كانت له قيمة الإيمان فله الخيرات كلها.
هذا هو خليل الرحمن - عليه الصلاة والسلام - يتبرَّأ من المشركين؛ {إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الممتحنة: 4] ، ويجعل أصنامهم جُذاذًا؛ {إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 58] ، فتنادى الملأ: {حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 68] ، أجْمَعوا رأْيَهم وشرعوا في الحطَب يَجمعون، تحرِصُ المرأة منهم وتنذُر إذا عُوفِيَت لتحمِلنَّ حطبًا لحريق إبراهيم، وكذلك يفعلون.
بنَوا له بنيانًا ملؤُوه بالحطب، وتدَاعَوا يُضرِمون النار ويُؤجِّجون، ويعلو لها شررٌ لم يُرَ مثلُه وهم فرِحون، وُضِع الخليل في المنجنيق ليُرمَى من مكان سحيق، فرفَع رأسه لوليِّه ومولاه وقال:"حسبي الله ونعم الوكيل".
عرض له جبريل فقال: يا إبراهيم، ألَك حاجة؟ قال:"أمَّا إليك فلا، أمَّا إلى الله فنعَم، حسبي الله ونعم الوكيل"، حالُه: تنحَّ عني يا جبريل، وخلِّني وخليلي فعنده الرَّحمة، هل بَذَلتُ له إلا لحمةً تبلَى أو شحمة، وطَّن نفسه على أن يصير مُوحِّدًا في الله فحمة، فحماه الكريم؛ {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69] .
وتستجيبُ النَّار لباريها فتبرُد على أهل المشرِق والمغرب، فلم ينضَج بها كُراعٌ يومئذٍ، وتُهرَع الدَّواب لتُطفِئ النَّار إلا الوزغ، فإنَّه ينفخ النَّار، وهيهات أن يبلغ وزغٌ مرادَه ما دام مع العبد مولاه!
لما لم يتعلَّق الخليلُ بأحدٍ دون الله لما أُضِيمَ، ولما أتى ربَّه بقلبٍ سليم، ولما لم يتزوَّد إلا الانقياد والتسليم؛ {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} .