لما رآه ربُّه لا يمُدُّ لغيره كفًّا مدَحه، ويكفي في مدحه؛ {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: 37] ، ابتلاه الله بكلمات فأتمهنَّ، وأراه قدرته يوم {فَصُرْهُنَّ} [البقرة: 260] ، وكسر الأصنام غيرةً لله منهن، فوقاه الكريم.
أراد أعداء الخليل أن ينتصروا فخُذِلوا، وأن يرتقُوا فاتَّضعوا، وأن يَغلبوا فغُلِبوا؛ {وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ} [الأنبياء: 70] ، {فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ} [الصافات: 98] ، تلكم هي العواقب، وما يُدرِكُها إلا بصرٌ ثاقبٌ.
أَنَا أَقْسَمْتُ وَهَذَا الكَوْنُ لِي شَاهِدٌ قَوْلًا وَفِعْلًا وَاعْتِقَادْ
أَنَّ نَصْرَ اللَّهِ يَحْدُو دَائِمًا كُلَّ مَنْ يَدْعُو إِلَى دَرْبِ الرَّشَادْ
فيا معشر المسلمين:
إنَّ الإيمان هو الأمان، والله مع ذوي التقوى والإحسان، أهلِ رُسُوخِ القلبِ في العِرفانِ، حتى يكون الغيبُ كالعيان.
{وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69] ، وهو يتولى الصَّالحين.
ها هو الخليل أُخرى، يُهاجِرُ من ديار قومِه، ويسألُ ربَّه على كِبَر؛ {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: 100] ، فيُبشَّر على رأس ستٍّ وثمانين من عمره بغلامٍ حليم، ولمَّا بلغ معه السعي وشبَّ وسعَى في مصالح أبيه، رأى إبراهيمُ في المنام أنَّه يُؤمَرُ بذبْحِه، فامتَثَلَ واستْسلم وما تردَّدَ في حبٍّ وتعظيمٍ لله ربِّ العالمين، وعَرَضَ ذلك علي ولده؛ {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} [الصافات: 102] ، فبادَرَ الغلامُ الحليمُ بجوابٍ في غايةِ السداد: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات: 102 - 103] .