قيل: ألقاه على وجهه ليذبحَه من قفاه لئلا يشاهِدَه حال ذبحه، وقيل: أضجَعَه كما تُضجَعُ الذَّبائح، فيا لَلَّهِ من لحظاتٍ جديرةٍ باستِنْزال العَبَرَات، وتصعيد الزَفَرَات، وذهابِ النفوسِ حَسَرَات!
سمَّى إبراهيم وكبَّر، وتشهَّدَ إسماعيلُ واستَسْلم، ومرَّت السكينُ على العُنُقِ فسُلِبَت حدَّها كما سُلِبَت النارُ إحراقَها؛ {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 104، 105] .
إنها الخُلَّةُ - معشر المؤمنين - بذَلَ بدَنَهُ للنيران، وابنَهُ للقُربان، ومالَهُ للضِّيفان؛ {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 106، 107] .
يقول ابن عبَّاس - رضي الله عنهما:"فُدِيَ إسماعيل بكبشٍ أقرنَ أعيَنَ، قد رعَى في الجنة ورَتَعَ فيها أربعين عامًا، هَبَطَ من ثَبيرٍ له ثُغاء، فذبحه إبراهيم".
سلام على إبراهيم، سِجِلٌّ خالدٌ في التَّسليم، وكتابٌ مرقومٌ استحقَّ به أن يكون الخليل، ويُفدَى ابنُهُ بذِبحٍ عظيم.
خُذُوا إِيمَانَ إِبْرَاهِيمَ تَنْبُتْ لَكُمْ فِي النَّارِ جَنَّاتُ النَّعِيمِ
ويُبشِّرُ إبراهيم بولادة مولودٍ ذَكَرٍ من بني إسرائيل، يكون هلاكُ فرعونَ وذهابُ مُلكِهِ على يديه، ويبلغُ الخبرُ فرعونَ، فيُصدِرُ أمرَهُ بذبحِ كل مولودٍ ذَكَرٍ من بني إسرائيل؛ {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 4] .
ولن يُنجِيَ حَذَرٌ من قَدَر، ولكلِّ أجلٍ كتاب؛ لأنَّ الله قضى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص: 5 - 6] .