فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 47

ها هي ذي حائرةٌ به، خائفةٌ عليه، تَخشى أن يصِلَ نَبَؤُهُ إلى الجلاَّدِين، وترجفُ أن تتناولَ عُنُقَهُ السكِّينُ، ها هي ذي بطِفْلها عاجزةٌ عن حمايته، عاجزةٌ عن إخفائه، عاجزةٌ عن منع صوتِهِ الفِطْريِّ أن ينمَّ عليه، عاجزةٌ عن تلقِينِهِ حيلةً أو وسيلةً، ها هي ذي وحدَها عاجزةٌ ضعيفةٌ مسكينةٌ وَجِلةٌ قَلِقةٌ مذعورةٌ، فيُلهِمُها اللهُ أن تُلقِيه في اليم.

ونزل هذا الإيحاء على قلْبها الواجِفِ الراجِفِ الخائِفِ بردًا وسلامًا؛ {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7] .

إنَّ إلقاءَ الطفل في اليمِّ هَلَكةٌ مُحقَّقة في المألوف والعادة؛ لكنَّ الله أراد - ولا رادَّ لما أراده الله - أراد أن يُربِّيَه فرعونُ نفسُهُ، وأن ينشأَ في قصْرِه، امتثَلَت أمُّهُ، وألْقَتْ به في اليمِّ مُجرَّدًا من كل قوَّةٍ وحيلة، عاجزًا عن أن يدفَعَ عن نفسِه أو يستنجِدَ بغيره.

يا لَلَّهِ! ما أشرفه من مقامٍ وأحلاه، وأعلاهُ وأسماهُ وأسناه! إنَّ الأم إذا خافَتْ على ابنِهَا ضَمَّتهُ إلى صَدرِهَا، أما أمُّ موسى فتقذِفُ بولَدِها في تيَّارِ الماء تَتَلاعبُ به الأمواجُ، وتجري به إلى عدُوِّه المُتربِّص به، يا لَلَّه! كيف فَعَلَت ما لم تفعلهُ أم؟! كيف طَلَبَت له السَّلامة بهذه المخافة؟! إنه - والله - لكمالُ الثقةِ بالله.

رَبَّاه:

أَنْتَ المُنَادَى بِهِ فِي كُلِّ نَازِلَةٍ وَأَنْتَ مَلْجَأُ مَنْ ضَاقَتْ بِهِ الحِيَلُ

لسانُ حالها: إنَّه وهو في اليمِّ في رعاية من لا أمنَ إلاَّ في جِوَارِهِ، ولا خوفَ على مَن كان معه، من جعل النار بردًا وسلامًا، وجعل البحر ملجأً ومنامًا، من لا يجرُؤُ جبابرةُ الأرض على أن يدنُوا من حِمَاه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت