كيف تيأسُ أمةٌ عبوديَّتُها لربٍّ كريم رحيم، لا يزدادُ على السؤال إلا كرمًا وجُودًا؟!
كيف تيأسُ أمَّةٌ تقرأُ في قرآنها: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33] ؟!
كيف تيأسُ أمةٌ أو تستسْلِم وهي مدعُوَّةٌ حين تنقطعُ بها الأسبابُ أن تتَّصِل بمُسبِّبِ الأسباب، وتظلَّ تأملُ في زوال الغُمَّةِ، وتحسُّنِ الأحوال.
فَاطْرَحِ اليَّأْسَ جَانِبًا وَاتَّخِذْ مِئْزَرَ الثِّقَاةْ
مَا الْتِفَاتٌ إِلَى الوَرَا بِالَّذِي يُوصِلُ السُّعَاةْ
مَا ارْتِمَاءٌ عَلَى الثَّرَى بِالَّذِي يَنْقُلُ الحُفَاةْ
إنَّ تأخُّرَ النصر لا يعني عدم تحقُّقِ وعْد الله، لكن ذلك لسببٍ يُبحَثُ عنه بلا يأسٍ ولا كَلال، ومن سعَى باحثًا لم يعدم السَّبَب.
يقول سيد - رحمه الله - ما مضمونه:"قد يُبطِئُ النَّصر لأنَّ بنية الأمَّة المؤمنة لم تنضجْ نُضجَها بعدُ، فلو نالَت النصرَ حينئذٍ لفَقَدَتْه وشيكًا، ولم تحمِهِ طويلًا".
فَاتَّئِدُوا فِي أَمْرِكُمْ وَائْتَلِفُوا وَامْشُوا عَلَى الهَدْيِ وَلا تَسْتَيْئِسُوا
قد يُبطئُ النَّصر حتى تبذُلَ الأمَّةُ المؤمنةُ آخرَ ما في طوقِها من قوة، وما تملِكُه من رصيدٍ، فلا تُبقِي عزيزًا ولا غاليًا إلا بَذَلَتْه هيِّنًا رخيصًا في سبيل الله، وحالها:
وَهَبْتُ نَفْسِي لِمَوْلًى لا يَخِيبُ لَهُ رَاجٍ عَلَى الدَّهْرِ وَالمَوْلَى هُوَ الوَاقِي
إِنِّي مُقِيمٌ عَلَى عَهْدِي وَمِيثَاقِي وَلَيْسَ لِي غَيْرُ مَا يَقْضِيهِ خَلاَّقِي
قد يُبطِئُ النصرُ؛ حتى تُجرِّبَ الأمَّةُ كلَّ قُوَاها، فتُدرِك أنَّ هذه القُوَى بدون سندٍ من الله لا تكفلُ لها النصر، فتَكِلُ الأمرَ بعدَها إلى الله، وحالها:
فَيَا رَبِّ أَدْرِكْنَا فَقَدْ بَلَغَ الزُّبَى مِنَ الكَرْبِ سَيْلُ الفَاجِعَاتِ المُغَرِّقُ