فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 47

في الخندق، والأزمةُ أزمة، الرِّجالُ يحفُرُون، والصُّخُورَ يحمِلُون، والثُّغُورَ يحرُسُون، سلمانُ يُخطِّطُ للخَندَقِ، وعليٌّ يقصِفُ رأْسَ مَن يعبُرُ الخندقَ، وابنُ رواحةَ يتحسَّسُ أخبارَ قُريْظَة، وامرأةُ جابرٍ تصنعُ طعامًا يُبارِكُ اللهُ فيه، فيكفِي لأهل الخندق، ابنُ الزبير - وهو الطفلُ الصَّغير آنذاك - يُراقِبُ من على سور الحِصْنِ، ابنُ أمِّ مكتوم - وهو الرَّجلُ الضَّرير - يُولِّيه رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إدارةَ المدينة، استِنْهاضٌ للهِمَم بالآيةِ والحديث، والخُطبة والشعر، بل حتى بالصوت، فإنَّ السيوفَ قبل أن تقصِفَ الرؤوس تقصِفُ الهِمَم.

(( لَصَوتُ أبي طلحةَ في الجيْش خيرٌ من فئةٍ ) )، وهو صوتٌ، و (( شِعْرُ حسَّان أسرعُ فيهم من نضْحِ النَّبْلِ ) )، وهو شعرٌ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( جَاهِدُوا المشركين بأموالكم وأنفُسِكم وألسنَتِكم ) ).

في أزمة الرِّدَّة، أوَّل أزمةٍ بعد وفاة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - اشتبكت فيها السياسة الداخليَّة بالخارجيَّة بِمسائل العقيدة والفقه، فقال أبو بكر كلمَتَه، فقَطَعَت قولَ كلِّ خطيبٍ، وشرَحَ الله بِها الصدور:

وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُوا عِقَالَ نُوَيْقَةٍ أَدَّوْهُ نَحْوَ المُصْطَفَى لَنْ يَسْلَمُوا

وَجَرَى الحَدِيدُ مِنَ الحَدِيدِ وَلَمْ يَزَلْ فِي نَصْرِ دِينِ مُحَمَّدٍ لَمْ يَضْجَرِ

حَلَفَ البَلِيدُ لَيَظْفَرَنَّ بِمِثْلِهِ حَنِثَتْ يَمِينُكَ يَا بَلِيدُ فَكَفِّرِ

انتَفَضَ أبو بكرٍ، فانتفَضَت الأمَّةُ كلُّها تَبَعًا له، فهو يُفتِي ويُوجِّهُ، ويعقِدُ الألوِيَةَ، ويُقاتِلُ بنفسِهِ، على الأعْداء يقذِفُ بالكَلِمِ كالحِمَمِ، ويحمِي بيضةَ الإسلام بالصارم الصَّمصَامِ، يقول: لا رِدَّة بعد اليوم، ولا يتمُّ في اليقَظَةِ ما تمَّ في النوم.

فَاعْجَبْ لِقُوَّةِ نَفْسٍ لَيْسَ يَصْرِفُهَا طَعْمُ المَنِيَّةِ مُرًّا عَنْ مَرَامِيهَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت