أصلُنا سامٍ، أتاه القُرآنُ وهو في مَزلَقِ الآراء فأخَذَ بيده إلى صوابها، وفي نواجِمِ الفِتَن فجَلَّى غمَّاءَهَا، وفي مُعتَرَكِ الشَّهَواتِ فكَسَرَ شِرَّتَها، وفي مُفتَرَقِ السُّبُل فهَدَى لأقوَمِها، وفي سُوقِ المصالح والمفاسد فميَّزَها وذَيَّلَها، وفي مجمَعِ العقائدِ فميَّزَ حقَّها من باطِلِها، وفي شُعَبِ الأحْكام فقَطَعَ فيها بفَصْلِ الخِطاب، بالنصِّ، أو بالظَّاهر، أو بالإشارة والاقتِضاء، مع مزيدٍ تعجزُ عنهُ العُقولُ مهْما ارتَقَت، وهو تعقيبُ كلِّ حكمٍ بِحكمتِه، وكل أمرٍ بما يُثبتُه، وكل نَهيٍ بما يُنفِّرُ عنه، استمسَكَ أصلُنا السَّامِي به، واهتدَوا بِهديِهِ، ووَقَفُوا عند حُدُودِهِ، وفي أنفُسهم وغيرهم حَكَّمُوه، فصَارُوا صالحِين مُصلِحِين سادةً قادةً.
دَلِيلُهُمْ فِي السُّرَى إِنْ تَاهَ غَيْرُهُمُ هَدْيٌ مِنَ السُّنَّةِ الغَرَّا وَقُرْآنُ
جَمَالَ ذِي الأَرْضِ كَانُوا فِي الحَيَاةِ وَهُمْ بَعْدَ المَمَاتِ جَمَالُ الكُتْبِ والسِّيَرِ
أَخْلاقُهُمْ نُورُهُمْ مِنْ أَيِّ نَاحِيَةٍ أَقْبَلْتَ تَنْظُرُ فِي أَخْلاقِهِمْ سَطَعُوا
فيا أيتُها الفروعُ النامِيَة:
تِلكُم أصولُكُم السَّامية، لا يقطعنكم عنها خنَّاس من الجِنَّة والناس، حتَّى تسلمَ الأنفاسُ لربِّ الجِنَّةِ والنَّاسِ، لقد جرَّبنا فصَحَّتِ التَّجرِبة، وامتحَنَّا فدلَّ الامتحانُ على أن عِرْقَ الإيمان في قلوب هذه الأمَّة كعِرْقِ الذَّهَبِ في المَنجَمِ، كلاهما لا يكادُ يَبلَى، وخصائِصُهُ لا تكادُ تتغيَّر وإن تَطَاوَلَت القُرُون، ذلك العِرْقُ المخبوءُ في تلك المُضغَةِ يتحرَّك فيأتي بالعجائب، أمرٌ محسوسٌ ولا يُكابِرُ في المحسوس إلا ممسوس.