فَنَكَسَ رأسَهُ، وانعَقَدَ جَبِينُهُ، ونَكَتَ نَكْتًا أشَدَّ، ثمَّ أطرَقَ ملِيًّا ورَفَعَ رأسَهُ، وقال: ما تقولُ في أموال بني أمية؟
قال: إن كانتْ لَهم حرامًا فهِي عليْك حرامٌ، وإن كانتْ لَهم حلالًا فما أحلَّها الله لك إلاَّ بِحقِّها.
كَشَفَ بالحقِّ القِنَاع، وحذف من الجملة حرفَ الامتناع.
فنَكَتَ الأرضَ بالمِقرَعَةِ نَكتًا أشدَّ ممَّا قبله، وأطرَقَ ملِيًّا، ثم رَفَعَ رأسَهُ وقال: يا أوزاعيُّ، لقد هَممتُ أن أُولِّيكَ القضاء.
قال: إنَّ ورائي لحُرَمًا في حاجةٍ لقِيامي بِهم، وسَترِي عليهم.
قال: ذلك لك، فاخرُج، فخرج وحاله:
وَمَا أَنَا مِمَّنْ تَقْبَلُ الضَّيْمَ نَفْسُهُ وَيَرْضَى بِمَا يَرْضَى بِهِ كُلُّ مَائِقِ
فبعث السفَّاحُ في إثْرِهِ بِمائتَي دينار، فلم يبرَحْ مكانَهُ حتَّى وزَّعَها في الأرامل والأيْتام، وحاله:
فَلَيْسَ يَرُوعُنِي فِي الحَقِّ سَيْفٌ وَلَيْسَ يَزُوغُنِي ذَهَبٌ وعِلْقُ
صَدَعْتُكَ فَالْتَمِسْ يَا لَيْثُ غَيْرِي طَعَامًا إِنَّ لَحْمِي كَانَ مُرَّا
إيهٍ أيُّها الأصل.
يقول الذَّهبي: فمعَ كوْن السَّفَّاح جبَّارًا سفَّاكًا صعبَ المِراس، فإنَّ العالِم يدفَعُهُ بالمُرِّ الحقِّ - كما سمِعْتَ - لا خُلُقَ علماءِ السُّوء الذين يُزيِّنونَ للظَّلَمَةِ ما يتَعَسَّفون من مظالمَ ويقتَحِمون، أو مع القُدرَةِ على بيانِ الحقِّ يسكُتُون، فأنَّى يُؤفَكُون؟!
واللهِ الذي لا إلهَ إلا هو، إنَّ سُكوتَ عُلماءِ الأرْض كلِّهم على الباطل لا يُصيِّرُهُ حقًّا، وإنَّ تَواطُؤَهم جَميعًا على المنكَرِ لا يُصيِّرُهُ معروفًا، وإنَّنا لسنا من الكرامة على الله أن ينسخَ أحكامَ دينِهِ لأجلِنا، أو أن ينسَخَ صَوَابَ دِينِهِ لأجلِ خَطَئنا فيه، وما ثَمَّ إلا ما خُتِمَتْ به الرِّسالةُ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] ، فما لم يكن يومئذٍ دينًا فليس اليوم بدين.