رابعًا: الشاب القوي العفيف:
ومن الصور المؤثرة صورة ذلك الشاب القوي - موسى عليه السلام - كيف تصرف مع النساء العفيفات:
{وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ - فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [1] .
رأى موسى عليه السلام فتاتين ترعيان الغنم .. وقد وقفتا عند أغنامهما من بعيد تُبعدان الغنم عن الماء .. والرجال يتزاحمون بأغنامهم عليه، تبتعدان عن الماء لا تدخلان وسط الرجال, فسقى لهما الغنم, وجلس في الظل يدعو الله أن يرزقه و ينجِّيه ...
فهذا موسى الذي كان طريدًا ملاحَقًا, لا مأوى له ولا زوجة ولا عمل, لم يغازل الفتاتين .. ولم تحثه نفسه باستغلال هذا الموقف؛ بل قام بسقاية الغنم عفيفًا مخلصًا .. فأكرمه الله بزوجة هي ابنة نبي .. وعملًا يعمله .. ويجد - فوق هذا وذاك - السكن والعون عند شعيب عليه السلام, كل ذلك من خلال موقف واحد!!.
خامسًا: شباب من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم:
لا تحسبن أنَّ الرفاهية تصلِح الأمة, فقد فتح الشباب من صحابة محمد - صلى الله عليه وسلم - ثلثي المسكون من الكرة الأرضية, ولا يملك أحدهم إلا ثوبًا واحدًا, وما في جعبتهم سوى بضع تمرات.
دخل الصحابةُ إيوانَ كسرى, والواحد منهم لم يشبع من خبز الشعير!! ..
و تولّى أحد ملوك الأندلس بجيش عرمرم طوَّق به الأندلس, فلما مات تولَّى ابنه من بعده .. وكان هذا الابن مترفًا إلى حد السرف؛ يقول: كان في بيتي اثنتان و سبعون جارية و أربع نساء .. ويستمع للغناء صباح مساء ..
فلما اجتاح ملكُ الفرنجة الأندلسَ .. قُيِّد هذا الملك الشاب في السجن .. أتت أمه تزوره فبكى عند باب السجن, فقالت: ابكِ مثل النساء مُلْكًا مضاعًا لم تحافظ عليه مثل الرجال!!.
ويأتي جعفر الطيار من الحبشة بعد هجرة سبع سنوات, فيصل إلى المدينة؛ فهل يجازيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هجرته في الله بجائزة مالية؟ أم يعطيه منصبًا؟.
لا والله .. بل أرسله مجاهدًا في سبيل الله في غزوة مؤتة .. فقُطعت يده اليمنى .. فأخذ الراية باليسرى .. فقطعت اليسرى .. فضمَّ الرايةَ إلى صدره .. فكسرت الرماح في صدره, فاستشهد [2] .
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد لحظات من استشهاده:
(( والذي نفسي بيده, لقد رأيت جعفر بن أبي طالب يطير في الجنة بجناحين أبدلهما الله مكان يديه ) ) [3] .
سادسًا: التنافس على الجهاد:
كان صغار شباب الصحابة يتبارون أمام رسول الله حتى يسمح لهم بالقتال في المعارك, وكان يجيز مَنْ بلغ منهم (15) عامًا فأكثر.
ويولّي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسامة بن زيد قيادة جيش كبار الصحابة, وأسامة لم يبلغ يومئذٍ سبعة عشرة عامًا, حتى تكلّم أناسٌ في إمارته فتحدَّث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - , وأخبرهم أنه خليق بالإمارة كما كان أبوه خليقًا بها.
ومحمد بن القاسم يفتح السند, ويجابه صناديد الهند, وهو لا يزال في شرخ الشباب, وميعة الصبا, ولم يكن قد تجاوز آنذاك الثامنة عشرة من عمره.
واشترك شباب الصحابة في معارك الفتوح كلها, وكان عبد الله بن عمر, والحسن والحسين سبطا النبي - صلى الله عليه وسلم - وقرَّتا عينه في مقدمة الصفوف التي فتحت أذربيجان وكرجستان التي تقع في الاتحاد السوفييتي (سابقًا) (جمهورية أذربيجان, وجمهورية جورجيا والداغستان) .
وكان ضمن هؤلاء الشباب: عبد الله بن العباس, وقُثم بن العباس رضي الله عنهم أجمعين.
وولَّى عثمان رضي الله عنه عبدَ الله بن عامر بن كُرَيز - وهو لم يبلغ الخمسة والعشرين - البصرةَ, فقام وغزا كل الأراضي التي انتقضت, ابتداءً من حدود العراق حتى شمال أفغانستان, ووسَّع الرقعة حتى وصل إلى حدود التركستان الشرقية المعروفة اليوم بسينكانغ والتي تحتلها الصين ..
ويوجد في تلك المنطقة قبور (1500) من الصحابة استشهدوا هناك في أيام عثمان رضي الله عنه.
ويا له من شاب فتح تلك الفتوحات الرائعة, وهو لم يبلغ بعدُ الخامسةَ والعشرين!! ..
وفي معركة بدر يوم الفرقان, وأولى معارك الإسلام, وقف شابان صغيران من الأوس (الأنصار) , وهما: معاذ ومعوَّذ ابنا عفراء, يسألان أحد المهاجرين من الصحابة (وهو عبد الرحمن بن عوف
(1) القصص: 23 - 24.
(2) د. عائض القرني، للشباب خاصة، بتصرف.
(3) رواه الحاكم.