فهرس الكتاب
وأما أوضاع المجتمع, وأساليب التعليم فتقول له: اختر إحدى ثلاثٍ كلُّها شر, ولكن إياك أن تفكّر في الرابعة التي هي وحدها الخير, وهي الزواج.
إما أن تنطوي على نفسك, على أوهام غريزتك وأحلام شهوتك, تدأب على التفكير فيها, وتغذيها بالروايات الداعرة, والأفلام الفاجرة, والصور العاهرة, حتى تملأ وحدها نفسك, تستأثر بسمعك وبصرك, فلا ترى حيثما نظرتَ إلا صُور الغيد الفواتن, تراهن في كتاب الجغرافيا إن فتحته, وفي طلعة البدر إن لمحته, وفي أحلام اليقظة, وفي رؤى المنام ... ثم لا ينتهي بك الحال إلا إلى الهوس أو الجنون أو انهيار الأعصاب.
وإما أن تعمد إلى ما يسمونه اليوم العادة السرية (الاستمناء) , وقد تكلَّم في حكمه الفقهاء, وهو - كما يقول فضيلة الشيخ الطنطاوي - وإن كان أقل الثلاثة شرًا, وأخفها ضررًا , ولكنه إن تجاوز حده وكثر استعماله ركًّب النفس بالهم, والجسم بالسقم, وجعل صاحبه الشاب كهلًا محطَّمًا, كئيبًا مستوحشًا, يفرُّ من الناس, ويجبن عن لقائهم, ويخاف الحياة, ويهرب من تبعاتها, وهذا حُكْمٌ على المرء بالموت وهو في رباط الحياة.
وإما أن تَغرِفَ من حماة اللذة المحرمة, وتسلك سبل الضلال, وتؤمَّ بيوت الفحش, وتبذل صحتك وشبابك ومستقبلك ودينك في لذة عارضة, ومتعة عابرة, فإذا أنت قد خسرت الشهادة التي تسعى إليها, والوظيفة التي تحرص عليها, والعلم الذي أمَّلتَ فيه, ولم يبقَ لك من قوتك وشبابك ما تضرب به في لجَّةِ العمل الحر.
ولا تحسب بعدُ أنك تشبع, كلا, إنك كلما واصلتَ واحدة زادك الوصال نَهَمًا, كشارب الماء المالح, لا يزداد شربًا إلا ازداد عطشًا, ولو أنك عرفت آلافاَ منهن ثم رأيت أخرى متمنعة عليك, مُعرِضة عنك, لرغبتَ فيها وحدها, وأحسست من الألم لفقدها مثل الذي يحسه من لم يعرف امرأة قط.
وهبْكَ وجدت منهن كل ما طلبت, ووسِعَكَ السلطان والمال, فهل يسَعُكَ الجسد؟ وهل تقوى الصحة على حمل مطالب الشهوة؟.
فكم من رجال كانوا أعاجيب في القوة, وكانوا أبطالًا في رفع الأثقال والرمي والسَّبق, وما هي إلا أن استجابوا إلى شهواتهم, وانقادوا إلى غرائزهم, حتى أمسَوا حطامًا ...
إن من عجائب حكمة الله أنه جعل مع الفضيلة ثوابها: الصحة والنشاط. وجعل مع الرذيلة عقابها: الانحطاط والمرض. ولربَّ رجل ما جاوز الثلاثين يبدو مما جار على نفسه كابن ستين, وابن ستين يبدو من العفاف كشاب في الثلاثين.
وحقًا صدق من قال: (( من حفظ شبابه, حُفظ له شيخوخته ) ).