قالتْ: مهما يكتم النَّاسُ فقد علمَه الله، قالَ: فإنَّ جبريلَ أتاني حين رأيتُ، و لم يدخلْ عليّ، و قد وضعتِ ثيابَكِ، فناداني فأخفى منك، فأجبته فأخفيته منك، فظننتُ أنْ قد رقدتِ، و كرهتُ أنْ أوقظَكِ، و خشيتُ أنْ تستوحشي، فأمرَني أنْ آتي البقيعَ فأستغفرَ لهم.
فقالتْ: يا رسولَ الله، أنتَ شغلتك آخرتك، و أنا شغلتني دنياي، أنت تفكِّر في الآخرةِ، وأنا أفكِّر في الدُّنيا، أنتَ تفكِّر في الآخرةِ و في الاستغفارِ لأهلِ البقيعِ، و أنا أفكِّر أنك قد تذهبُ لبعضِ نسائك.
و في بعضِ الرِّواياتِ أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه و سلَّم قالَ لها: أجاءَكِ شيطانك؟
-الذي حرَّككِ هذا مِنْ مكانكِ -
-فقالتْ: يا رسولَ الله، أوَ لي شيطانٌ؟ فقالَ: نعم، لكلِّ إنسانٍ شيطانٌ"قرين"، قالتْ: حتَّى أنتَ يا رسولَ الله!! قالَ: نعم، إلا أنَّ الله أعانني عليه فأسلمَ"، هنا"فأسلمَ"اختلفَ فيها أهلُ العِلْمِ بعضُهم قالَ:"إلا أنَّ الله أعانني عليه فأسلمَ"، أي دخلَ في الإسلامِ، و المعنى الآخر"إلا أنَّ الله أعانني عليه فأسلمُ"أي أسلمُ منه، لا يأتيني منه شَرٌّ، و لكنَّه شيطانٌ، ما زالَ شيطانًا على ما هو عليه، و الشَّيطانُ هو كافرُ الجِنِّ، و مسلمُ الجِنِّ مؤمنٌ، فكلُّ شيطانٍ هو مِنْ كفَّارِ الجِنِّ."
بعد هذا قالتْ له عائشةُ: كيف أقولُ يا رسولَ الله إذا زرتُ القبورَ؟ فقالَ لها: قولي السَّلامُ على أهلِ الدِّيارِ، مِنَ المؤمنينَ و المسلمينَ، يرحمُ الله المستقدمينَ مِنَّا و المستأخرينَ، و إنا إنْ شاءَ الله بكم لاحقونَ.
انتهتِ القِصَّةُ، لو كانَ غير عائشة و غير محمَّد صلَّى الله عليه و سلَّم في أيَّامنا هذه، واحد تلحقه زوجته و هو ذاهبٌ و ينتبه لها ماذا يفعلُ معها؟ إذا ما ضربها .. إذا ما وقعَ الطَّلاقُ .. إذا ما وقعتْ مصيبةٌ و العياذُ بالله لمثلِ هذه الأمورِ؛ انظروا كيف عالجَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه و سلَّم الأمرَ، و كيف صارتْ بعد أنْ لحقته و شكَّت و كذا صارتْ تسأله ماذا أصنعُ؟ لأنها تطلبُ العِلْمَ مِنَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه و سلَّم، فكانَ يعالجُ أمثالَ هذه الأمورِ بحِلْمٍ.
و وقعتْ قِصَّةٌ أخرى قريب مِنْ هذه أيضًا لعائشةَ أمِّ المؤمنينَ رضيَ الله عنها لأنها الوحيدةُ التي كانتْ تظهرُ دلالها على النَّبيِّ صلَّى الله عليه و سلَّم؛ لأنها تعلمُ حبَّه لها صلواتُ ربِّي و سلامُه عليه، كما قيلَ: عرفَ الحبيبُ مكانه فتدلَّلا، يعني عرفتْ مكانها عند النَّبيِّ صلَّى الله عليه و سلَّم فصارتْ تتدلَّل عليه، و النَّبيُّ يقبلُ منها صلواتُ ربِّي و سلامُه عليه، و لذلك أكثرُ حوادثِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه و سلَّم مع هذه المرأةِ رضيَ الله تباركَ عنها و أرضاها
* - في يومٍ مِنَ الأيامِ كانَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه و سلَّم جالسًا مع أصحابهِ في بيته فأهْدِيَ للنَّبيِّ صلَّى الله عليه و سلَّم طعامٌ، قيلَ مِنْ زينب، و قيلَ مِنْ صفيَّة، أمَّهات المؤمنينَ رضيَ الله عنهنَّ، أهدتْ له طعامًا و لكنْ في يومِ عائشةَ، فلمَّا سمعتْ عائشةُ بهذا خرجتْ أمام النَّبيِّ و أمامَ الصَّحابةِ رضيَ الله عنهم، فأخذتِ الإناءَ الذي فيه الطَّعامُ و رمته في الأرضِ حتَّى كسرته، - غَيْرَةً .. يعني لماذا تهدينَ للنَّبيِّ صلَّى الله عليه و سلَّم في يومي؟؟ - فرمتِ الإناءَ في الأرضِ حتَّى انكسرَ و فسدَ الطَّعامُ الذي فيه، فالتفتَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه و سلَّم إلى أصحابه و قالَ:"غارتْ أمُّكم"فقط .. انتهى الأمرُ!
و الذي لا إلهَ إلا هو إنه يغلبُ على ظنِّي أنه لو فعلتِ امرأةُ أحدِنا مِثْلَ هذا الأمرِ أمامَ ضيوفهِ إنْ ما أمسكَه ضيوفه و إلا مدفونة أو يضربُها، أو يطلِّقها، أو لا يكلِّمُها شهرًا أو سنةً .. حسب ما يرى مِنَ العقوباتِ، و النَّبيُّ صلَّى الله عليه و سلَّم راعى قضيَّةَ الغيرةِ عندها، و إنَّ هذا شيءٌ فِطْرِيٌّ في المرأةِ، مفطورةٌ على هذا الأمرِ