لَنَهْدِيَّنَّهُمْ سُبُلَنَا، فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع سبله تعالى، ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد ابن حنبل وغيرهما:"إذا اختلف الناسُ في شَيْءٍ فانظروا مَإذَا عليه أهل ألثغْرِ فإن الحق معهم، لأن الله يقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَّنَّهُمْ سُبُلَنَا} ") [1] .
فإن أخذتك رِيبَةٌ فيما قاله ذانك الإمامان الجليلان وغيرهما من أئمة السلف، فاسمع برهانا -آخر- لذلك من قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ قَاتَلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُم} .
فلا يبقى بعد هذا شك في أنهم المقصودون بالطائفة الثابتة، الموسومون بالهداية والرفعة، الموعودون بالنصرة والظهور، وأن من خالف فهمهم للدين فهو المخذول، وأن شانئهم هو الأبتر المرذول، ولا يطعن فيهم إلا كل عميل دنيء، أو مرجئي رديء، قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: (أخرج البخاري ومسلم من حديث المغيرة بن شعبة أنه قال:"لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَاتِيَّهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُون"... ثُمَّ قَدْ وَرَدَ هَذَا الأَمْرُ الَّذِي يَتَمَسَّكُونَ بِهِ وَيَظْهَرُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ بِسَبَبِهِ فأخرج مسلم من حديث عقبة مرفوعًا:"لاَ تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَنْ أَمْرِ اللهِ قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَاتِيَهُمْ السَّاعَةُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ") [2] .
ولهذا، فَمَعَ ما أصاب الأمة من ذل وهوان، وما تسلط عليها من ظلم وطغيان، وما فشى فيها من فساد وانحلال، بسبب تفريطها في سنن الشرع، وتقصيرها في سنن الكون، وإتباعها لسنن الأمم السالفة، لم يزل - بحمد الله - أنصار الدين في ارتفاع وعز وظهور؛ لم يثن عزمهم تكالب الأعداء والمخَذِّلِين، ولم يفل صبرهم تراكم الفتن التي أَوْقَعَتْ مرضى القلوب والمنافقين، وأقعدت اليائسين والمنهزمين، بل ما زالوا بفضل الله تعالى في خير وازدياد، ينكأون الْمُغَيِّرين للدين الناشرين للفساد، ويدافعون العدو الصائل على البلاد، ويَنْعَمُونَ بِالعِزِّ الذي افتقدته الأمة لَمَّا تَرَكَتِ الجِهَادَ، وَيُقِيمُونَ دين الله تعالى على من تحت أيديهم من العباد، لا يشتد عليهم تهويش أهل التخذيل وتشويش الخصوم إلا انفتح لهم منبر للبيان، ولا يزداد بطش الأعداء واستطالة أهل الطغيان إلا فُتِحَ لهم باب للنزال، وتوطد يقينهم بقرب مجيء النصر من الملك الديان؛ {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز} .
(1) مجموع الفتاوى (44228) .
(2) إرشاد الفحول، ص (142 - 143) .