فلما قضى صلاته قال لمن حضره: (عَلَى رِسْلِكُمْ أَبْشِرُوا، إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرُكُم) ، قال أبو موسى: فرجعنا ففرحنا بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فَحُقَّ أن يُقَالَ لمن ينصر الإسلام في هذا الزمان اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبشروا، إن من نعمة الله عليكم أنه ليس أحد من الناس ينصر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في هذه السَّاعة غيركم) .
وأيم الله، إنهم لأَهْلٌ لذلك، وقد أقاموا أمر الله تعالى إذ ضيعه غيرهم، ورفعوا لواء الحق إذ خذله سواهم، فهم أسعد الناس في هذا الزمان العصيب بالنجاة من الفتن المتلاحقة، التي ألحقت أقوامًا بالمشركين، وَزَرَعَتِ الرَّيْبَ في قُلُوبِ ضِعَافِ اليقين، وأوقعت الهزيمة في نفوس كثير من المسلمين، وهي الفتن التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم في مثل قوله:
(إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَّتُهَا فِي أَوَّلِهَا وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلاَءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ المُؤْمِنُ هَذِهِ مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ، وَتجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ المُؤْمِنُ هَذِهِ هَذِهِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الجَنَّةَ فَلْتَاتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَلْيَاتِ النَّاسَ الَّذِي يُحِبُ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْه) [1] .
وقوله: (بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا) [2] .
وكيف لا يَقِيهِم الله تعالى الفتن المظلِمة، والبلايا المدلهمة، والذُّلَّ الذي عم الأمة، وهم مِنْ بَين خلق الله تعالى كُلِّهِمْ لَمْ يتركوا سبب العزة، ولم يَتَلَبَّسُوا بِمُوجِبَاتِ الذِّلَّة، التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَاتَّبَعْتُمْ أَذْنَابَ البَقَرِ، وَتَرَكْتُمُ الجِهَادَ فيِ سَبِيلِ اللَّهِ، أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاَّ، لاَ يَرْفَعُهُ عَنْكُمْ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ) [3] .
ولهذا فقد ضَمِنَ الله تعالى لهم ما لم يضمن لغيرهم، فجعلهم أخص بالهداية من غيرهم، وأحق بالحق ممن دونهم، تحقيق ذلك فيما ذكره شيخ الإسلام إذ يقول: (ولهذا كان الجهاد مُوجِبًا لِلْهِدَايَةِ التي هي محيطة بأبواب العلم، كما دل عليه قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا
(1) رواه مسلم برقم (3431) .
(2) رواه مسلم برقم (169) .
(3) رواه أحمد (4765) ، وأبو داود برقم (3003) ، وهو حسن.