بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاع"قالوا: فارس والروم؟ قال:"فَمَنِ النَّاسُ إِلاَّ أُولَئِكَ". وهذا كله خرج منه مخرج الخبر عن وقوع ذلك والذم لمن يفعله، كما كان يخبر عما يفعله الناس بين يدي الساعة من الأشراط والأمور المحرمات، فَعُلِمَ أن مشابهة هذه الأمة اليهود والنصارى وفارس والروم مما ذمه الله ورسوله وهو المطلوب. ولا يُقَالُ فإذا كان الكتاب والسنة قد دلا على وقوع ذلك فما فائدة النهي عنه، لأن الكتاب والسنة أيضًا قد دَلاَّ على أَنَّهُ لاَ يَزَالُ فِي هَذِهِ الأمة طائفةٌ مُتَمَسِّكَةٌ بالحق الذي بعث الله به محمدا إلى قيام السَّاعة، وأنها لا تجتمع على ضلالة، ففي النَّهْيِ عن ذلك تكثير لهذه الطائفة المنصورة وتثبيتها وزيادة إيمانها فنسأل الله المجيب أن يجعلنا منها) [1] ."
الطائفة المنصورة بارقة أمل:
قال الله تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القُرُونِ مِنْ قَبْلَكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ، وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِين} . قال ابن كثير رحمه الله: (يقول تعالى: فَهَلاَّ وُجِدَ من القرون الماضية بقايا من أهل الخير ينهون عما كان يقع بينهم من الشُّرُورِ والمنكرات والفساد في الأرض، وقوله تعالى: {إِلاَّ قَلِيلا} ، أي قد وُجِدَ منهم من هذا الضرب قليل لم يكونوا كثيرا، وهم الذين أنجاهم الله عند حلول غضبه، وفجأة نقمته) [2] .
وقد قضى الله تعالى قضاء لا يرد على لسان رسوله: (أن فئة من أمة خاتم الأنبياء باقية إلى قيام الساعة، لا تُبَدِّلُ إذا بدل الناس، ولا تَفْسُدُ إذا فسد الناس، ولا تُذَلُّ إذا ذَلَّ الناس) .
وإذا كان للطوائف العاملة للإسلام اليوم أن تزعم أنها سائرة على منهج الرسول، بل ويستطيع بعضها أن يَدَّعي أنه الطائفة المنصورة التي وَعَدَ النبي صلى الله عليه وسلم ببقائها ودوامها وظهورها، فإن للذين يدافعون أعداء الملة والدين، وينصرون الإسلام والمسلمين، أن يفرحوا بما اختصهم الله تعالى بهم من دون خلق الله جميعا من التفرد بِالذَّودِ عن حياض الدين، ومدافعة أهل الكفر والظالمين؛ وَلِمَ لاَ يَفْرَحُونَ وقد امتن الله سبحانه وتعالى عليهم كما امتن على أصحاب رسول الله حين اختصهم بخير لم يشاركهم فيه غيرهم، فضلا من الله ورحمة، فقد أخرج البخاري في صحيحه برقم (567) ومسلم برقم (1014) عن أبي موسى الأشعري قال: كنت أنا وأصحابي الذين قَدِمُوا مَعِي في السَّفِينة نزولا في بقيع بطحان، والنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فكان يتناوب النبي صلى الله عليه وسلم عند العشاء كل ليلة نَفَرٌ منهم، فوافقنا النبي صلى الله عليه وسلم أنا وأصحابي، وله بعض الشغل في بعض أمره، فأعتم النبي صلى الله عليه وسلم حتى ابْهَارَّ الليل، ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بهم،
(1) اقتضاء الصراط المستقيم، ص (44) .
(2) التفسير (3094) .