ألم تظلم أمريكا المسلمين إذ ساندت من يحكمهم بالحديد والنار ويفسد أديانهم وأخلاقهم ويبدد خيراتهم ذات اليمين وذات الشمال؟
ألم تظلم أمريكا الإمارة الإسلامية في أفغانستان، فاستغلت ضعفها وقلة ذات يدها، فتطاولت عليها بالتشويه، وحاصرتها بغير ذنب اقترفته، ثم حاربتها وأسقطتها؟
ألم تظلم أمريكا العراقيين بالحصار الجائر، ثم بالحرب الشعواء، ثم بالاحتلال الغاشم؟
ألم تظلم أمريكا أهل فلسطين فأطلقت فيهم أيادي من يقتل أبناءهم ويستحي نساءهم ويفسد الحرث والنسل؟
ألم تظلم أمريكا العالم بأسره بأن حالت بينه وبين تَبَيُّنِ الحق، ففتنت الناس بإعلامها، وأفسدت الأخلاق بمبادئها، ولم تراع لقوي هيبته، ولا لضعيف حرمته؟
فهذا بعض ما تلبست به أمريكا من ظلم وطغيان، فَلِمَ تأخرت عنها السنن، ولم لم تطلها عاقبة البغي وجريرة الإفساد؟
إن كان المستفسر عن هذا يروم كشف ما عَلِقَ بنفسه من ريب بوعيد الله بالظالمين، ووعده لأهل الحق المستضعفين، وسننه الجارية على الطاغين المعتدين، فَلْيَعْلَمْ أن الله تعالى لا يعجل لعجلة أحد، وأن مقاديره تجري حسب حكمته, ثم ليلحظ السائل بعد ذلك جملة أمور:
أولًا: إن قوة أمريكا أهون عند الله تعالى مما قد يظنه الظان، بل أي شيء تساوي الأرض وما عليها أمام العظمة الهائلة الساحقة للكون المخلوق، فضلا عن عظمة الخالق جل وعلا، ولو شاء الله تعالى أن يعطل آلياتها المتطورة بأيسر الأسباب لفعل، ولقد رأى العالم من ذلك مثالا، فَمَرُّوا عليه كما يمرون عن أكثر آيات الله وهم غافلون، وذلك حين أعاقت الرياح العاتية حركة الكثير من طائرات أمريكا وآلياتها في بدء عدوانها على بلاد العراق، بل لو شاء الله تعالى لسلط عليهم ما هو أهون من ذلك، مما لا يملكون معه حيلة، أو يجدون معه سبيلا، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عما سُيُهْلِكُ الله تعالى به من سيفسد في الأرض على عهد عيسى حين نزوله إلى الأرض حذاء قيام الساعة، فإن عيسى ومن معه إذا أعياهم شأن يأجوج ومأجوج، ولم يجدوا ما يدفعون به شَرَّهُمْ وفسادهم، ولم يقدروا عليهم، فإنهم يلجأون إلى ما فَرَّطَ فيه المسلمون اليوم إلا قليلا، فكان تفريطهم سببا إلى تأخر النصر، وتمادي الطغيان، فقد أخرج الإمام مسلم برقم (2938) من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الدجال وَقَتْلَ عيسى لَهُ، ثم خروج يأجوج ومأجوج، ثم قال: (ويُحْصَرُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ رَاسُ الثَّوْرِ لأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لأَحَدِكُمْ اليَوْمَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ - يعني يأجوج ومأجوج - النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ، فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) . وماذا ينفع تطور العلم وتقدم الطب لو سُلِّطَ على