الكافرين المعتدين مثل ما سيسلط على يأجوج ومأجوج، وما وَبَاءُ الالتهاب الرئوي الذي يحصد الأرواح ويشيع الهلع هذه الأيام، إلا مثال عن ذلك، ولكن أكثر الناس عن آيات الله غافلون.
ثانيًا: إن تأخر النصر وتأجيل الأخذ على يد الظالمين المتجبرين، فيه خير كثير للمسلمين، فقد جعل الله تعالى هذه الدنيا دار ابتلاء، في السراء والضراء، كما قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْض} ، وإن من حكمة هذا الابتلاء اليوم أنه لم يزل يكشف عن خبايا النُّفُوس، ويسقط الأقنعة عن الوجوه والرؤوس، ويمايز بين الصفوف، فإن النفاق الذي عم وطم، قد جاءت هذه النكبات المتتالية، والهزات المتلاحقة، لتكشفه، ولتقيم عند أهله حجة من أنفسهم على أنفسهم، و (لاَ أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّه) ، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عند البخاري (6686) ومسلم (5572) ؛ وقد جعل الله تعالى ظهور الأعداء، وتلاحق الفتن والبلاء، سببا للتمحيص، قال تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّب} ، ولا أعظم في إقامة الحجة من ظهورها لصاحبها من نفسه، فلهذا صار الأمر بهذه الأحداث العظيمة التي أصابت الأمة أبلج، ولم يعد لأهل النفاق فيه مخرج، فتمايزت بحمد الله الصفوف، وخلص أهل الحق من بين أهل النفاق، وانحاز كثير من أدعياء الإصلاح ومدعي العلم إلى قوافل الخذلان والخسران، وصاروا يرددون ما يردده أعداء الدين، ويسهمون في تثبيط أهل الحق، وتخدير المسلمين، ويبثون الهزيمة في النفوس، ويصورون الخنوع في صورة الفضيلة، والغيرة على الدين في صورة الغلو والرذيلة، ويتسترون على خيانة الخائنين، وعمالة الدخلاء، التي ما عادت تخفى على أحد من العالمين، ولا يجدون غضاضة في خدمة العَلْمَانيين، وممالئة أعداء الدين، والترقيع للذين بدلوا دين الله، ونشروا الخنى والفساد، حتى بلغ الأمر ببعضهم إلى الإفتاء بإعانة الكافرين على قتل المسلمين، واستباحة أرضهم وأعراضهم، وطمس معالم دينهم، باسم العلم والمصلحة الشرعية. والله المستعان.
ولعمر الله إن نفاق هؤلاء الذين يتسربلون بلبوس العلم ويتزيون بلباس الحكمة قرين لريائهم، والرياء خاصة أهل النفاق، كما دل على ذلك كتاب الله تعالى، فلا غرو أن يُعِدَّ الله تعالى لعلماء السوء الذين يضلون الأمة، ويعيقون أسباب نهضتها، ويمكنون لأعداء الله فيها، أن يُعِدَّ لهم من العذاب ما لم يعده لغيرهم من العالمين، فقد روى البيهقي في السنن، بسند حسن، من حديث علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جُبِّ الحُزْنِ) ، قيل: يا رسول الله وما جب الحزن؟ قال: (وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، تَتَعَوَّذُ مِنْهُ جَهَنَّمَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينٍ مَرَّةً، أَعَدَّهُ اللَّهُ لِلْقُرَّاءِ المُرَائِينَ) .