الصفحة 14 من 25

وبظهور كمائن المنافقين، وخيانة المتسترين، وضغائن العَلْمَانيين، انجلى الفرقان بين صف أهل الإيمان، وصف أهل الضلال والطغيان والخذلان، فكان الأمر مثلما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فيما حَدَّثَ بِهِ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنا قعودًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الفتن فأكثر من ذكرها حتى ذكر فتنة الأحلاس، فقال قائل: يا رسول الله، وما فتنة الأحلاس؟ قال: (هِيَ هَرَبٌ وَحَرْبٌ، ثُمَّ فِتْنَةُ السَّرَّاءِ، دَخَلُهَا أَوْ دَخَنُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنِّي وَلَيْسَ مِنِّي، إِنَّمَا أَوْلِيَائِي المُتَّقُونَ .. ثُمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْمَاءِ لاَ تَدَعُ أَحَدًا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ إِلاَّ لَطَمَتْهُ لَطْمَةً، فَإِذَا قِيلَ انْقَضَتْ عَادَتْ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إِلَى فُسْطَاطَيْنِ، فُسْطَاطُ إِيمَانِ لاَ نِفَاقَ فِيهِ، وَفُسْطَاطُ نِفَاقٍ لاَ إِيمَانَ فِيهِ) [1] .

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كَيْفَ بِكُمْ وَزَمَانٌ أَوْشَكَ أَنْ يَاتِي يُغَرْبَلُ النَّاسُ فِيهِ غَرْبَلَةً، وَالنَّاسُ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ، وَاخْتَلَفُوا فَكَانُوا هَكَذَا، وشبك بين أصابعه؟ قالوا: كيف بنا يا رسول الله؟ قال: تَاخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ وَتَدَعُونَ مَا تُنْكِرُونَ، وَتُقْبِلُونَ عَلَى أَمْرِ خَاصَّتِكُمْ، وَتَذَرُونَ أَمْرَ عَامَّتِكُم) [2] .

ثالثًا: إن تأخر النصر، وتمادي الشر، مدعاة للخوف والحذر، لا لليأس والقنوط، فإن من سنن الله تعالى في أهل الظلم والطغيان، أن يستدرجهم، ويمهلهم إلى أجل مضروب، لا يستقدمون عنه ولا يستأخرون، ويرسل عليهم بين ذلك ما يذكرهم بآياته، ويقيم عليهم حججه وبيناته، ويخوفهم من عقوبته وانتقامه، قال تعالى: {وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَاتِيَ وَعْدُ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ المِيعَاد} ، ولكنهم لا يذكرون ولا يرجعون، ولا يزيدهم إلا طغيانًا كبيرا، بل يظنون لقلة عقولهم، وقصر نظرهم، وانطماس بصائرهم، وبرودة مشاعرهم، أن ما يدركونه من خير زائل دليل على أنهم يحسنون صنعا، قال تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّ مَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخَيْرَاتِ بَلْ لاَ يَشْعُرُون} ، ولو تأمل العاقل، لعلم أن تأخر الدوائر عن أمريكا وأذنابها، مع ما جاءت به في مدتها من بغي وظلم، وعدوان منقطع النظير، على الناس عموما، وعلى أهل الإسلام خصوصا، إنما ذلك لأن ما سيصيبها من نفسها، أو بأيدي المؤمنين، أو من عند الله تعالى، سيكون أنكى وأشد، وربما عم ولم يخص، وبلغ ما بلغ الليل والنهار، وطال جميع الدائرين في فلكها، المعاونين لها في طغيانها، إن لم يتوبوا ويقلعوا، قال الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ، ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتَّى

(1) رواه أحمد (6168) ، وأبو داود (4242) ، وغيرهما، وقال شعيب الأرنؤوط إسناده صحيح، شرح السنة للبغوي (15/ 20) .

(2) أخرجه أحمد (2202) ، وأبو داود (4/ 3432) ، وغيرهما، وصححه الألباني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت