الصفحة 15 من 25

عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُون، وقال تعالى: {وَكَأَيٍّ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ، ثُمَّ أَخَذْتُهُا وَإِلَيَّ المَصِير} ، وقال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ، وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى، فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً، وَلاَ يَسْتَقْدِمُون} .

ألا ترى إلى أوربا وما أصابها في الحربين العالميتين الأولى والثانية، من فشو القتل في أبنائها بما لم يعرف التاريخ له مثيلا، وانتشار الدمار في أرجائها، وما ذلك إلا بِسَبَبِ عتوها، وفسادها في الأرض، وعدوانها على المسلمين، وقهرها للمستضعفين، واستعمارها لبلادهم، وسطوها على خيراتهم، فتلك كانت عاقبتهم، ولعل ما ينتظر العالم أجمع من مشاركة أمريكا في ظلمها، أو السكوت عن بغيها، وخاصة على أهل الإيمان، والمستضعفين من أهل الإسلام، يُنْذِرُ البشرية بهلاك شامل، ولربما هو الذي أشار إليه الصادق المصدوق فيما أخرجه البخاري (5577) ، ومسلم (4827) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيَنْقُصُ العِلْمُ - أو العَمَلُ - وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الهَرْجُ، قالوا: يا رسول الله، إيما هو؟ قال: القَتْلُ، القَتْلُ) ، وأخرج البخاري (978) من رواية أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ العِلْمُ وَتَكْثُرَ الزَّلاَزِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الهَرْجُ) ، وأخرج الإمام أحمد (16350) من حديث سلمة بن نفيل السكوني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بَيْنَ يَدَيْ الساعةِ مَوَتَانٌ شَدِيدٌ وَبَعْدَهُ سَنَوَاتُ الزَّلاَزِلِ) .

وأيم الله، إني كلما تدبرت أحاديث الفتن، وما جاء عن الصادق المصدوق من أخبار الملاحم، وتأملت ما زخرت به حضارة اليوم من أسباب الإفساد والإفقار والهلاك للبيئة والإنسان، إلا وأيقنت أن الحضارة المعاصرة آيلة إلى الزوال، وأنها كحلم عارض في مسيرة الإنسان، وأن البشرية ستعود إلى ما كانت عليه في سالف الزمان.

فإن ما صارت إليه البشرية عمومًا من فساد عام غير مسبوق، ينذر بخطر عظيم غير معهود، فإن تاريخ الإنسان لم يعرف حالًا مماثلًا لما عرفه في هذا الزمان، من انقلاب المعايير وأخلاق البشر، ومسخ شديد لشخص الإنسان، وتقنين للمنكر والفساد، وفشو للفاحشة، والإعلان بالشذوذ والسحاق، والتلاعب بالخلق بالتبديل والتغيير، وقد تمكن الكفار من وسائل مادية هائلة، وقنوات تأثير وإعلام، وأدوات دمار خيالية، استعملوها للعلو في الأرض والإفساد، واستضعاف أهل الإيمان، وظلم دعاة التوحيد، ومنع إقامة شرع الله في الأرض، واجتمعت في شعوب العالم كل المفاسد التي أهلك الله بسببها من مضى من الأقوام، وظهرت فيهم الأحداث العظام، وسخر الإنسان كل ما تمكن منه من علوم وتقنيات من أجل الصد عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت