فهرس الكتاب
سورة بنى النضير- شرح للأخلاق التى استجمعها اليهود فحق عليهم الطرد، والشمائل التى تحلى بها المسلمون فاستحقوا بها النصر. ص _129
والقرآن الكريم يؤرخ للأحوال النفسية التى تبت في مصاير الأمم ويجب أن تتناقلها العصور لترعوى وتستقيم. بدأت السورة بتسبيح الله، والتسبيح حق الله في كل وقت وكل وضع، فهو المنزّه عن كل نقص والمبرأ من كل عيب! لكن للتسبيح هنا ملابسة خاصة فإن الناس إذا أحاطت بهم الكوارث ولم يبد لليلها صبح اضطربت أفئدتهم وبدأت الظنون المزعجة تساورهم، وتدبر قوله تعالى في غزوة الأحزاب (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون) . وقد علا شأن اليهود في الجزيرة، فما علا بهم إيمان ولا خلق! وإنما انتشر الربا والخنا، وشاعت عبادة الهوى، والتصق الناس بأطماع الأرض! إن الجاهلية الأولى زادت ولم تنقص مع الوجود اليهودى، كأن أهل الكتاب رأوا في ظلام الوثنية فرصة للصيد والكيد. ولما ظهر الإسلام حسب اليهود أنهم قادرون على إطفاء نوره واستمدوا من حصونهم جرأة على إيذاء أهله وهم آمنون! وخيل للناس أن هذا بلاء ليس منه شفاء، وأن الأقدار لن تتدخل لحسمه! حتى ضرب الإسلام ضربته فإذا القلاع الحصينة تدك، وإذا المتشبثون بها يستسلمون، وإذا الباطل العاتي يترنح. ونزل الوحى يبدد كل تهمة ويؤكد سنن الله في إحقاق الحق وإبطال الباطل (سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم * هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا …) . والضربة التى نزلت باليهود تناولتهم مع حلفائهم من منافقى المدينة، واليهود قلما يحاربون وحدهم، وإنما يعتمدون علي ظهير يشد أزرهم، فهل أجداهم ذلك شيئا؟ إن المسلمين الذين ظنّ بهم الضعف أملوا كلمتهم بقوة، وأكدوا أن أحدآ لن يستطيع حماية المجرمين!