الصفحة 87 من 130

"طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه. إن كان في الحراسة كان في الحراسة،وأن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وأن شفع لم يشفع"وذلك لأنه جندى مجهول ليس له جاه، ولا اسم لامع. والإسلام في امتداده القديم وفتوحه الأولى اعتمد على أعداد لا حصر لها من المخلصين الذين جاءت في هذا الحديث صفتهم، مرقوا من الدنيا إلى جنات النعيم بعدما أثمر جهادهم قياما للحق وازدهارا للإيمان، وإدبارا للباطل وانهداما للطواغيت... وشرف الأمة العربية الأولى أن سوادها كان من هذا الصنف النقى، وأن انتصارها لم يكن انتصار جنس، بل انتصارا للوحى، وخيرا للشعوب، وحياة رفيعة للعالم أجمع، ولو التزم العرب هذا المنهج لتغيرت الإنسانية كلها. لكن ما حدث دخلت فيه طبائع البشر وخصائص الأجناس، وليت العرب فهموا قول نبيهم عليه الصلاة والسلام:"رب مبلّغ أوعى من سامع"إن بعضهم حسب الإسلام نزل ليعيش به رغدا، ويحرز به لجنسه مجدا، وينظر به إلى العالمين من أعلى... ذهب الأسلاف المتجردون الذين عاشوا لله سبحانه وماتوا في سبيله، ثم خلفت خلوف رأت أن تصادر الإسلام لحسابها الخاص، وأن تتولى وحدها مناصبه الإدارية العليا، وأن تحتكر لذراريها ا لإمارة والصدارة.. وسرعان ما استيقظت العصبيات القديمة، فزاحمت الأنساب والأحساب القدرات والمهارات، ومعالم الخلق والتقوى. بيد أن الاستبحار الإسلامى في ميادين العلم والحضارة صمد لهذا الانحراف، ومضى بالمسلمين في مجال الترقى والازدهار حتى بلغ بهم شأوا لم تعرف الدنيا نظيره: لكن إلى متى؟ وللإسلام أعداء متربصون، ولأمته الكبيرة من يرصد أخطاءها، ويعرف آثار الحكم الفردى بها، وفتك الشهوات بالمترفين، وفتك الغمط بأولى العلم والخبرة! إن المسلمين في أواخر القرن الرابع أخذوا يترنحون تحت وطأة أمراضهم، ووجد الرومان وسائر الصليبيين الفرصة سانحة فانقضوا.. لقد قلت، ولا أزال أقول: إننا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت