ولا ريب أن أبرز مؤسسات هذا الغزو هما مؤسستا: الاستشراق والتبشيبر وقد اتخذتا مجالهما في ميادين التعليم والثقافة والصحافة واتخذتا لهما هدفًا حاسمًا، وأن تغيرت الأساليب والوسائل بين آن وآن حسبما تكشف التجارب وتقضي الظروف. ولقد بدأت حركتا التبشير والاستشراق عملهما على نحو عنيف عاصف واتصل أمرهما في أول الأمر بالكنيسة ثم امتد إلى وزراء الاستعمار فلما لم يجدا من رد فعل غير الإنكار من جانب المسلمين عدلا اتجاههما في الأربعينيات تعديلًا فاختفى التبشير وراء التعليم، واصطنع الاستشراق ## 21 ## أسلوبًا خادعًا يقدم تمهيدات فيها بعض الاستحسان للإسلام ثم يدس السم بعد ذلك خفيفًا خفيفًا حتى لا يثير الشبهات إلا بعد كسب الثقة بالتمويه. ثم سيطرت اليهودية التلمودية والصهيونية على الاستشراق والتبشير واستخدمته في سبيل قضيتها، كانت قضية الاستشراق الغربي في كلمة هي إخراج المسلمين من مفهوم (الإسلام نظام مجتمع) إلى مفهوم مأخوذ من الغرب يرى أنه لا صلة بين العبادة والمجتمع وذلك حتى ينفسح المجال للقانون الوضعي بدلا من الشريعة، وفي مجال الاقتصاد المصرفي الربوي بدلًا من مفهوم {وأحل الله البيع وحرم الربا} ، وفي مجال الاجتماع بإطلاق الغرائز وتطوير الأخلاق بدلًا من ضوابط الإسلام وحدوده.
أما الاحتواء الصهيوني للاستشراق والتبشير فقد استحدث ضرب مفهوم العلاقة بين العروبة والإسلام وإعلاء شأن العنصرية وطرح نظريات باطلة في مقارنات الأديان والأخلاق والاجتماع والتفسير المادي للتاريخ والتربية.
ولقد سئل الدكتور زويمر - كبير المبشرين في البلاد العربية - في الثلاثينيات عن فشله في إدخال المسلمين إلى المسيحية فأجاب تلك الإجابة الخطيرة التي يجب أن تكون موضع تقدير الباحثين المسلمين في مجال الغزو الثقافي والتغريب: إن الهدف من التبشير ليس إدخال المسلمين في المسيحية فإن ذلك جد عسير ولكن الهدف هو إخراجهم من الإسلام.
خامسًا: