لا يكادُ مطَّلِعٌ على كتبِ تفسير القرآن وإعرابه ومعانيه يَبحثُ في تفسير آيةٍ، أو في تحليلِها لغويًّا، أو نحويًّا، واستجلاءِ ما يُمكن فيها حتى يجدَ نفسَه متنقِّلًا - وهو يبحثُ في آيةٍ واحدةٍ، أو جملةٍ في آيةٍ - بين وجهاتِ نظرٍ متبايَنٍ فيها. وأبرزُ ما يتجلَّى منها هو تعديدُ الرؤى في القول بـ (الحذف) و (التقدير) و (التأويل) و (زعمِ صورةٍ أصلٍ للنصِّ) ، بمنهجيةٍ قد تُبعِدُ القارىءَ عن روح النصِّ، وأسرارِه البيانية، وبديعِ دلالتِه، وإعجاز نظمِه، وتآلفِ هذا النظمِ مع المعنى.
وقد مرَّ بيانُ جانبٍ من تلكَ الرؤى من بينِ وجهاتِ النظرِ العديدةِ، ضمنَ مبحثَي (في الحذف) و (في الاكتفاء) . وسآتي - هنا - على بيانِ جانبٍ آخرَ منها في هذا المبحث (في التقدير) ، إن شاء الله تعالى.
التقدير:
لقد أوردَ عنه ابنُ منظور - في اللغةِ - قولَه: (( قَدَرَ الشيءُ بالشيءِ: يَقْدُرُهُ قَدْرًا. وقَدَّرَهُ: قاسَهُ ... التقديرُ على وجوهٍ من المعاني , أحدُها: الترويةُ والتفكيرُ في تَسْويةِ أمْرٍ وتهيئتِه. والثاني: تقديرُه بعلاماتٍ يَقطعُهُ عليها. والثالث: أنْ تَنوِيَ أمرًا بعَقْدِكَ , تقولُ: قدَّرْتُ أمرَ كذا وكذا , أي نَويتُهُ وعَقَدْتُ عليه ) ) [1] .
ومن تفسيراتِه اللغويةِ ما ذكره الجرجانيُّ - بشكلٍ عامٍّ - بقولِه: (( هو تحديدُ كلِّ مخلوقٍ بحَدِّهِ الذي يُوجَدُ منْ حُسْنٍ وقُبْحٍ ونَفْعٍ وضُرٍّ , وغيرها ) ) [2] .
وأما في الاصطلاحِ، ففي حدود علمِي وما اعتمدْتُ من مصادرَ ومراجعَ - هنا - لم أجد للتقدير في الاصطلاحِ النحويِّ تعريفًا، أو تحديدًا مستقلاًّ جامعًا.
واستنتاجًا من منهجِِ النحويينَ والمفسرين، ودراستِهم الجملةَ العربيةَ في جانبٍ من جوانبِها أرى أنَّ التقديرَ في الاصطلاحِ النحويِّ هو: زَعْمُ حركةٍِ أو حرْفٍ في كلمةٍ، أو كلمةٍ في جملةٍ , أو جملةٍ في كلامٍ , كلٌّ منها لا وجودَ له في اللفظِ , ولا في الكتابةِ.
(1) لسان العرب76:5 / (قدر) .
(2) التعريفات، عبدالعزيز الجرجاني57. وينظر: التوقيف على مهامِّ التعاريف، محمد عبدالرؤوف المناوي، تح: د. محمد رضوان الداية196.