الصفحة 116 من 197

وقد قابلَ الدكتور مصطفى جواد مصطلحَ (التقدير) -كما بيَّنتُه - بِمصطلح (التحرير) [1] ، وهو ما يظهر من الكلام نطقًا أو كتابةً.

والتقديرُ- بالمعنى الذي ذكرتُه - يُحدِّدُ دلالةَ النصِّ القرآنيِّ، ويُضيِّقُها، ويعدِلُ بها إلى غيرِ ما سيق النصُّ لأجلِه، من جهةِ كلماتِه وجملِه، وذلك لسببَين رئيسَين، هما:

1 -إنَّ التقديرَ زعْمُ ما لم يرد في الكلمةِ أو الجملةِ أو الكلامِ , وزيادةٌ على ما اكتفَى به الكلامُ. وهذا يتعارضُ - دلاليًّا - مع ما وصف به عبدُ القاهر الجرجانيُّ الكلامَ وهو قائمٌ على ما يُسمِّيه هو وغيرُه (حذفًا) , وهو (اكتفاءٌ) كما مرَّ , إذ قال فيه: (( إنه بابٌ دقيقُ المسلَكِ , لطيفُ المأخَذِ , عجيبُ الأمرِ , شبيهٌ بالسِّحْرِ , فإنكَ ترى به ترْكَ الذِّكْرِ أفصحَ من الذكْرِ , والصمْتَ عنِ الإفادةِ أزيدَ للإفادةِ وتجدُكَ أنطقَ ما تكونُ إذا لم تنطِقْ , وأتمَّ ما تكونُ بيانًا إذا لم تُبِنْ ) ) [2] .

فكيف تكونُ رؤيةُ (ترْك الذكرِ أفصح من الذكرِ) من مَحاسنِ الكلامِ , وروعةِ بلاغتِه , وبديعِ دلالتِه ثم يُقال: والتقديرُ (كذا وكذا) ؟! فهذا يُطيحُ بالدلالة وبلاغةِ الكلامِ. وكيف يكونُ المتكلمُ - وهو مُكتَفٍ في كلامِه بِهيأةٍ أو هيئاتٍ خاصةٍ من النظم - (أنطقَ ما يكونُ إذا لم ينطِق، وأتمَّ ما يكونُ بيانًا إذا لم يُبِنْ) , ثم يُزعَمُ أنه أراد ما تقديره: (كذا وكذا) ، أو يجب أنْ يُقدَّرَ فيه: (كذا وكذا) لاستحالةِ بقاءِ الكلامِ كما هو من المتكلِّم؟!

لقد ذكرتُ سابقًا [3] أنَّ وصفَ عبدِ القاهر - هذا - للكلامِ المُكتَفَى به لهو جديرٌ بالاحترامِ والالتزامِ , فإنَّ الكلامَ المُكتَفَى به له شأنٌ يَبْهرُ السامعَ , وأنَّ ذِكْرَ ما لا تستدعيه ظروفُ الكلامِ وزعْمَه لَهْوَ مسْخٌ للكلام نفسِه , وعُدولٌ به إلى غير جهتِه , وأنَّ للمتكلِّم فيه من الحريةِ والمرونةِ ما ليس له في غيرِه. فيجدُ فيهِ من الشجاعةِ ما لا يجدُه في غيرِه. والتقديرُ تقييدٌ لِهذه المرونةِ، وإضعافٌ لِهذه الشجاعةِ، وتعارُضٌ لاتساعِ الدلالة، وتضييقٌ لَها.

2 -قال الزركشيُّ بعدَ استعراضِه طائفةً من الآراءِ في التقديرِ في سورةِ الفاتِحةِ الكريمة: (( ولكنَّ التقديرَ غيرُ متواترٍ للاختلافِ في كيفيَّتِه ) ) [4] . وهو مذهبٌ يَقِفُ المتدبِّرُ فيه على التأنِّي والتزامِ الحذر

(1) دراسات في فلسفة النحو والصرف واللغة 43.

(2) دلائل الإعجاز121.

(3) ينظر: الصحيفة (12) من هذا البحث.

(4) الإتقان214:1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت