الصفحة 126 من 197

ويبدو أنَّ القولَ التوضيحيَّ لسيبويه: (لأنَّ(فيها) لمَّا صارتْ مستقَرًّا لـ (زيد) يَستغني به السكوتُ ... ) وقولَه: (فصار قولُكَ:(فيها) كقولِكَ: (استقر .. ) ) هو ما أوهمَ أنه أرادَ أنَّ الجارَّ والمجرورَ - هنا - متعلِّقٌ بِمحذوف واجبِ الحذف تقديرُه: (مستقِرٌّ) أو ما شابه. والحقيقةُ عكسُ هذا الفَهْم، كما هو متجلٍّ من عبارةِ سيبويه التي يتضِّحُ أنَّها قد تُرِكَتْ واعتُمِدَ غيرُها مِما وقع فيه الوَهْم.

قال الدكتور مهدي المخزمي: (( ولا يحتاجُ المعرِبُ إلى أنْ يُعلِّقَ هذا الخبرَ بشيءٍ مقدَّرٍ وهو الوجودُ العامُّ، أو الكينونةُ العامةُ .... لأنه معلومٌ للمتكلِّمِ والسامعِ، ولأنَّ ذلكَ ليس هو الخبرَ، لأنَّ الفائدةَ لا تتمُّ به، فلو كانَ هو الخبرَ لجازَ للمتكلِّمِ أنْ يَقتصِرَ على قولِه:(محمدٌ استقَرَّ) ، أو (محمدٌ كان) ، أو (محمدٌ حصَلَ) ويسكُت، ولاكْتَفَى المخاطبُ به، ولكنَّ واقعَ الأمر غيرُ ذلك )) [1] .

ففي قولِه تعالى: [الْحَمْدُ لِلَّهِ] [الفاتحة/2] لا يُمكن أنْ يُعَدَّ (استَقَرَّ) أو (مُستقِرٌّ) خبرًا قدْ حُذِفَ وجوبًا، لأنَّ قولَنا: (الحمْدُ مُستقِرٌّ أو استَقَرَّ) لا معنى له، فقولُه تعالى: [الْحَمْدُ لِلَّهِ] قد أدَّى فائدةً بضميمةِ (للهِ) ، التي خصَّصت - بدلالةِ حرف (اللام) - ملكيةَ (الحمدِ) له سبحانه، وحَسُنَ السكوتُ على هذا الجارِّ والمجرورِ دونَما حاجةٍ إلى شيءٍ مزعومٍ مختلَقٍ مقدَّر.

4 -تلازم (قد) مع الفعل الماضي الواقع جملة حالية:

أَي: أَنَّ الجملةَ الفعليةَ ذاتَ الفعلِ الماضي الواقعةَ حالًا لابدَّ لها من (قَدْ) تَسبِقُ هذا الفعلَ ظاهرةً أو مقدَّرةً. وهذا مذهبُ البصريين إلاَّ الأخفشَ، ومذهبُ الفراء من الكوفيين [2] . وقد سوَّغوا مذهبَهم هذا بحجةِ أنَّ (( الماضي لا يقعُ في موضعِ الحال، إلاَّ ومعَه(قدْ) ظاهرةً أو مقدرةً )) [3] ، لأنَّ الماضيَ وقعَ ومضَى، والحالُ هو وصْفُ الهيأةِ الحاضرةِ لصاحبِها، فلا يَتناسبُ ما مضَى مع ما هو حاليٌّ، لذا أوجَبَ أصحابُ هذا المذهبِ (قَدْ) ظاهرةً، أو مقدرةً لأنَّ (قَدْ) (( حرفٌ ... يُقرِّبُ الماضيَ من الحالِ ومنه قولُ المؤذِّنِ:(قدْ قامَتِ الصلاةُ) .. )) [4] .

(1) في النحو العربي: نقد وتوجيه 181.

(2) ينظر: معاني القرآن، الفراء 24:1 و282. والأمالي الشجرية372:1. واللباب في علل البناء والإعراب، أبو البقاء العكبري، تح: غازي مختار طليمات294. وشرح الكافية212:1 - 213. والفصول المفيدة في الواو المزيدة، صلاح الدين الدمشقي الشافعي، تح: د. حسن موسى الشاعر157 - 158.

(3) الأمالي الشجرية372:1.

(4) المفصل 148. وينظر: شرح ألفية ابن مالك، ابن الناظم، تصحيح: محمد بن سليم اللبابيدي124 - 125.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت