(( وذلك قولُكَ:(فيها عبدُ اللهِ قائِمًا) و (عبدُ اللهِ فيها قائِمًا) ، فـ (عبدُ اللهِ) ارتفعَ بالابتداءِ لأنَّ الذي ذكَرْتَ قبلَه وبعدَه ليس به، وإنَّما هو موضِعٌ له، ولكنَّه يَجري مجرَى الاسمِ المبنيِّ على ما قبلَه. ألا تَرى أنكَ لو قلتَ: (فيها عبدُ اللهِ) حَسُنَ السكوتُ وكان كلامًا مستقيمًا، كما حَسُنَ واستُغْنِي في قولِك: (هذا عبدُ اللهِ) . وتقولُ: (عبدُ اللهِ فيها) فيَصيرُ كقولِك: (عبدُ اللهِ أخوكَ) ... ويَدلُّكَ على ذلك أنكَ تقولُ: (إنَّ فيها زيدًا) فيصيرُ بِمنزلة قولِك: (إنَّ زيدًا فيها) ، لأنَّ (فيها) لمَّا صارتْ مُستَقَرًّا لـ (زيد) يَستغنِي به السكوتُ وقعَ موقعَ الأسماءِ، كما أنَّ قولَك: (عبدُ اللهِ لقيتُه) يَصيرُ (لقيتُه) فيه بِمنزلة الاسم، كأنكَ قلتَ: (عبدُ اللهِ منطلِقٌ) ، فصار قولُكَ: (فيها) كقولِكَ: (استَقَرَّ عبدُ اللهِ) ، ثم أردْتَ أنْ تُخبِرَ على أيةِ حالٍ استقَرَّ، فقلْتَ: (قائِمًا) ، فـ (قائِمٌ) حالٌ مستقَرٌّ فيها. وإنْ شئتَ ألغَيتَ (فيها) فقُلتَ: (فيها عبدُ اللهِ قائِمٌ ) )) [1] .
نستنتجُ من عبارةِ سيبويه هذه ما يأتي:
أ) الجارُّ والمجرورُ (فيها) هو معتمَدُ الكلامِ لقولِه عنه: إنه (يَجرِي مجرَى الاسمِ المبنيِّ على ما قبلَه) . فهو يقابِلُ كلمةَ (أخوك) وهي معتمَدُ الفائدةِ في قولِنا: (عبدُ اللهِ أخوك) . فكلٌّ مِن (فيها) في (عبدُ اللهِ فيها) ، و (أخوكَ) في: (عبدُ اللهِ أخوكَ) هو محطُّ الفائدة، لا سواه. لذا فإنَّ الجارَّ والمجرورَ (فيها) : (حَسُنَ السكوتُ [عليه] وكان كلامًا مستقيمًا) . ولا توجدُ أيةُ إشارةٍ إلى أنَّ الخبرَ مَحذوفٌ وجوبًا وأنه - أي الخبرَ المزعومَ حذْفُه وجوبًا - محطُّ الفائدة، وأنَّ (فيها) متعلِّقٌ به.
ب) الجارُّ والمجرورُ (فيها) صار مستقَرًّا لـ (زيد) في عبارة: (إنَّ فيها زيدًا) ، وهو خبرٌ (يَستغني به السكوتُ وقعَ موقعَ الأسماء) ، كما مرَّ.
ج) شبَّه سيبويه الجارَّ والمجرورَ (فيها) بـ (استَقَرَّ) ، وهذا واضحٌ تمامًا للظرفيةِ المستفادةِ مِنْ (فيها) ، إذ قالَ: (فصار قولُكَ:(فيها) كقولِكَ (استَقَرَّ ) ) ، ولم يقُلْ: هو متعلِّقٌ بِمحذوف وجوبًا يكونُ خبرًا تقديرُه .
د) إذا كانَ الجارُّ والمجرورُ (فيها) هو مَحطَّ الفائدةِ، وبه تنعقِدُ هذه الفائدةُ، فإنَّ (قائمٌ) يُنصَبُ ولايكونُ مرفوعًا، لأنه ليس مَحطًّا أو متمِما للفائدة، أي: ليس خبرًا. نحو: (فيها عبدُ اللهِ قائمًا) ، فـ (فيها) هو الخبرُ، و (قائمًا) حالٌ من (عبد الله) . أمّا إذا كان (قائمٌ) هو محطَّ الفائدة، أي: هو الخبرُ، فإنَّ (فيها) يُلغَى، بمعنى: لا يكونُ بِمنزلة الاسمِ المتمِّمِ للفائدةِ مثل (أخوك) في: (عبدُ الله أخوكَ) ، ويرتفعُ (قائمٌ) لأنه المعتمَدُ، فتَصيرُ الجملةُ: (فيها عبدُ الله قائمٌ) .
(1) الكتاب 88:2 - 89 (ط/ د. عبد السلام هارون) .