أما بعدُ:
فإنَّ الدارسَ للنصِّ القرآنيِّ - مهما أُوتيَ من ملكةِ البحث - لا تكونُ غايةُ ما يدركُه من دراستِه في ميدانِ تخصصِه - ولاسيَّما في الميدانِ اللغوي - إلاَّ ما يتبادرُ إلى الذهنِ من باطنِ النصِّ، أو معناه الذي يتجلَّى له من حدودِ ظاهره فحسب. أي أَنَّ (أسرار البيان القرآني) والكشف عنها في حدودِ النصِّ ونظمِه وما ينطوي عليه من إعجازٍ هو ميدانُ تلك الدراسة. أما تأويلُ النصِّ وما يتفرَّعُ عنه من علومٍ فليس من اليسير قبولُه عن أيٍّ كان، إذ ما يعلمُه [إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا] [آل عمران/7] .
وليس في ميدانِ البحثِ العلمي ثِمارٌ تُقطفُ أروعَ من تلكَ التي تقومُ على العرض، والنقدِ والتحليل، لا على الظنِّ والحدْسِ والتخيُّل والادِّعاء. وليس كلُّ ما يُقال هو الصوابُ، ولا صوابَ غيرُه. لذا يجبُ النأيُ بالدراسةِ المختصَّةِ بالنصِّ القرآنيِّ عن ميدانِ الظنِّ والتأويل، كما يجبُ الاعتقادُ المطلقُ بأنَّ القرآنَ معجزٌ بنظمِه ودلالتِه كإعجازِه في الجوانبِ الأُخرى، ويجبُ الابتعادُ عنِِ المنهجِ الذي يتمُّ به دراسةُ النصِّ القرآنيِّ بصورةٍ تكشِفُ وتُفصِح عن تناسي الدارس، أو نسيانِه أنه يدرسُ كلامَ الله تعالى.
وقد راودتني فكرةُ البحثِ في ميدانٍ من ميادينِ الدرس اللغويِّ القرآنيِّ، وهو منهجُ المفسرين واللغويين في القولِ بـ (الحذف والتقدير) في النصِّ القرآني، لِما وجدتُه من جرأةٍ كبيرةٍ، وتجاوزٍ للحدِّ المقبولِ في تحليلِ النصوصِ القرآنيةِ، تنطوي على القولِ في تلك النصوصِ بِما لا يُمكنُ أنْ يُؤخذَ إلاَّ بوحْيٍ، أو بأثرٍ من النبي (صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم) . فجاءت دراستي هذه دلاليةً نقديةً، أساسُها أنَّ الجملةَ أو التركيبَ في القرآن الكريم يأتي - في نظمٍ مقصودٍ - على هيأةٍ يُكتَفَى فيها - بضميمةِ السياق، وظروفِ القول - بنظمٍ خاصٍّ دونَما حاجةٍ إلى سواه، لا ذِكْرًا، ولا تقديرًا.
إنَّ الذهابَ إلى أنَّ هذا النصَّ القرآنيَّ مكتفَى فيه بِما هو عليه من نظمٍ - بضميمةِ السياق - وما ينطوي تحته من دلالةٍ، أَوْلى وأليقُ من أنْ يُقالَ: إنَّ فيه محذوفًا، وإنَّ تقديرَه (كذا ... أو كذا ... أو كذا ... ) . فمصطلحُ (الحذف) - مهما فُسِّر - يُشعِرُ بالطرح والإسقاط، وادِّعاء ما ليس في النصِّ بوساطةِ التقدير الذي يُعدُّ نتيجةً منطقيةً للقول بالحذف. فلا يُمكنُ أنْ يقدَّرَ ويُدَّعى إلاَّ بعدَ ادِّعاءِ الحذف وزعمِه. وهذا - بِمجملِه - لا يليقُ بأنْ يُحملَ القرآنُ الكريم عليه، لأنه كلامُ الله تعالى المعجزِ الذي يجبُ أنْ يُدرسَ دونَما إقحامٍ فيه.
وتَجدُرُ الإشارةُ إلى أنَّ للعادةِ أثرَها في ترسيخِ ما يتعلمه الإنسانُ، حتى لو كان ما تعلَّمه غيرَ صحيح. إلاَّ أنه في المحصلةِ النهائيةِ لا يُمكنُ الركونُ إلاَّ إلى ما يُوثق به، ويُطمأنُّ إليه، وتطيبُ النفس - لعدمِ تجاوزِها وتجرُّئِها - بانتهاجه.