لقد أقمتُ دراستي هذه، وميدانُها الرئيس هو القرآنُ الكريم، على ركنَين رئيسين، هما:
1.مصنَّفاتُ العلماء في ميادين (اللغة، والنحو، والتفسير، والبلاغة، وعلوم القرآن، والتشريع) .
2.دراسةُ الآراءِ المُنتقاةِ من تلكَ المصنفاتِ، ومناقشتُها في ضوءِ النص القرآني والركن الأول مستعينًا من أقوالِ العلماءِ بِما يدعمُ الرأيَ الذي أقولُ به.
وباعتمادي هذين الركنين قسَّمتُ البحثَ على مقدمةٍ، وثلاثةِ فصولٍ مسبوقةٍ بتوطئةٍ، وخاتِمةٍ بنتائجِِ البحث.
أما المقدمةُ - وهي التي بينَ يدَي القارئ الكريم - فقد أجملتُ القولَ فيها عن هذه الدراسةِ، وسببِ البحثِ فيها، ووصفِها.
وأما التوطئةُ فقد خصَّصتُها - عمومًا - في إعجاز القرآن، وخلصتُ منها إلى أنَّ إعجازَ القرآنِ وكونَه كلامَ اللهِ تعالى يجعلُه محطًّا للبحث والدراسةِ والاجتهاد في ضوءِ المعرفةِ القرآنية، وأنه ميدانٌ لن يُتمكَّنَ منه، ولن يستطيعَ أحدٌ - مهما بلغ - سبْرَ أغوارِه. وليس للمفسِّر، أو المحلل للنصِّ القرآنيِّ رأيٌ يُعدُّ قولًا فصْلًا، وأنْ لا قولَ يُصوَّبُ تجاهَه في آيةٍ أو جملةٍ أو تركيبٍ، على الرغمِ من إصابةِ الحقيقة وعدمِ مجانبةِ الصوابِ في تحليل نصوصٍ قرآنيةٍ عند طائفةٍ من العلماء. وهذا ما يُفهمُ من عنوانِها الذي صدَّرتُه بالحرف (في) ، وهو ما صدَّرتُ به الفصولَ الثلاثةَ أيضًا، إشارةً إلى اصطفاءِ القضايا الأساس في كلٍّ من (الإعجاز) ، و (الحذف) ، و (الاكتفاء) ، و (التقدير) التي انعقدَ عليها البحثُ دون غيرها مِما لا يؤثِّرُ الاستغناءُ عن ذكره في قيمةِ البحث، أو مِما يندرجُ تحت تلك القضايا، وينصهرُ فيها.
وأما الفصلُ الأول فقد جعلتُه للدراسةِ (في الحذف) الذي قال به اللغويون والمفسرون في القرآن الكريم، وعُرِف في منهجِهم أنه لِما (أُسقِطَ) من النصِّ. وقد أقمتُ هذا الفصلَ على مناقشةِ القضايا التي أُقيمَ عليها منهجُ القولِ بـ (الحذف) ، وهي:
1.الاحتجاجُ بالنصِّ القرآنيِّ - نفسِه - دليلًا على القول بوقوع (الحذف) في القرآن، بحجةِ أنَّ كلَّ نصَّينِ متماثلَي النظمِ والسياق وردتْ في أحدِهما كلمةٌ ولم تردْ في الآخر، يكونُ النصُّ الذي وردتْ فيه تلكَ الكلمةُ دليلًا على حذفِها من النصِّ الآخر الذي لم ترد فيه. مبيِّنًا أنَّ هذا أساسٌ لا يُمكنُ الركونُ إليه والاعتدادُ به. فلكلِّ نصٍّ نظمٌ جاءَ لحكمةٍ إلهيةٍ، إنْ عرفناها فقد ظفرنا، وهذا مِن مَنِّ اللهِ تعالى علينا، وإنْ لم نعرفْها، فليس لأنه لا توجدُ فيه حكمةٌ، بل لأننا جهلنا إدراكَها. وهذا واقعٌ فعلًا، ومتحقِّقٌ في الدراساتِ القرآنية كلِّها، ومنها هذه الدراسةُ. وهذا مِن مَنِّ اللهِ تعالى علينا أيضًا.