موضعٍ آخرَ لدلالةٍ مقصودةٍ، نحو تقدير العكبريِّ جوابَ شرْطٍ للشرطِ الواردِ في قولِه تعالى: [قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ] [البقرة/97] هو (((فلْيَمُت غَيظًا) ، أو نحوه، فإنه نزَّله ... )) [1] . ولا ريبَ في أنَّ عبارةَ (فلْيَمُت غيظًا) أكثرُ شيءٍ بُعدًا عن أنْ تكونَ جوابًا - ولو بالزَّعْم - لِهذا الشرْط. فشتَّان ما بين نظْم النصِّ القرآنيِّ ودَلالتِه، ونظْم ما يُزعَم ودلالتِه. وهو تقديرٌ لا مسوِّغ له، فإنَّ قولَه تعالى: [فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ ... ] هو جوابُ (مَنْ) الشرطية [2] .
ومِما زُعِم - مِما لا مسوِّغ له - في بعضِ نصوصِ القرآن، ما قدَّره الأخفشُ في قولِه تعالى: [بِأَيِّيكُمْ الْمَفْتُونُ] [القلم/6] بقولِه: (( هنا مضافٌ محذوفٌ تقديرُه: بأييكم فتونُ المفتون ) ) [3] . وسوى ذلك الكثيرُ مِما زخرت به مصنفاتُ اللغويين والنحويين والمفسرين.
هذه طائفةٌ من ادِّعاءِ الأصلِ، والتأويلِ، والتقدير التي قالَها أصحابُها في نصِّ القرآن الكريم وكأنَّهم معتقدونَ بزعْمِ مَحذوفٍ، وأصلٍ مقدَّرَين، أو أنه أعجزهم حتى نظروا إليه من هذه الزاوية. وهي مزاعمُ، وتأويلاتٌ، وتقديراتٌ غيرُ مقبولةٍ - كما بيَّنتُ - لأنَّها قد أحالتِ النصوصَ التي زُعمت فيها - في روعةِ نظمِها، وسبْكِ عباراتِها وألفاظِها - إلى نسْجٍ قدِ اضطرب سياقُه، وركَّ مساقُه، حتى طُمِستِ الغايةُ من نظمِها، وغُيِّبت في هذا التمحُّل روعةُ دلالاتِها.
وليت شعري، مَنْ أوحَى إليهم هذا التصوُّرَ، وهذا التقديرَ، وهذا التأويلَ؟! ومَن أطلعَهم على هذا الأصل الذي (كانَ) ، وما جرى عليه من تعديلٍ؟! وما المانعُ من ذِكْره لو كان مُرادًا؟ وهو كلامُ اللهِ تعالى الذي له فِعْلُ ما يشاء وقولُ ما يشاء ويُريد.
ولا ريبَ في أنَّ (( علماءَ العربية وثِقاتِها يُقرِّرون في إجماعٍ رائعٍ أنَّ القرآنَ أفصحُ كلامٍ عربيٍّ وأنه في المكانةِ العليا من البلاغةِ، فكيف يتفقُ هذا مع التأويل والتمحُّل والتقدير ) ) [4] .
(1) نفسه 54:1.
(2) ينظر: الكشاف 154:1 - 155.
(3) التبيان في أقسام القرآن، محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيِّم الجوزية 136:1.
(4) اللغة والنحو بين القديم والحديث، د. عباس حسن 101. وينظر: النحو العربي-العلة النحوية: نشأتها وتطورها، د. مازن المبارك76 - 77.