شيءٍ بلَغْيِ العصافير، وكأنَّه كان سكرانَ حين قاله. وفي هذا (الحذف) [1] إشارةٌ إلى سرعةِ امتثالِه (عليه السلامُ) [أي: نبيِّ الله موسى (عليه السلامُ) ] . وإنَّما أُمر (عليه السلامُ) بالضرْب فضَرَب، وترتَّب الانفلاقُ عليه إعظامًا لموسى (عليه السلامُ) بِجَعْلِ هذه الآيةِ العظيمةِ مترتِّبةً على فعْلِه. ولو شاء عزَّ وجلَّ لفلقه بدونِ ضرْبِه بالعصا )) [2] .
وثَمة تقديراتٌ تُشعِرُ بأنَّ زاعميها كانوا شغِفِين بفكْرةِ القول بالحذف والتقدير، وأَنَّها - عندهم - سبيلٌ رئيسةٌ لدراسةِ الجملةِ القرآنية، وتحليل النظْمِ القرآنيِّ، وبيان معناه، على الرغم من أنَّ النصَّ غنيٌّ عن مثلِ هذا القول، إذ لا مسوِّغَ له.
من ذلك ذهابُ أبي عليّ الفارسيِّ في قولِه تعالى: [قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ] [آل عمران/26] إلى (( أنه حُذِفَ منه: أعِزَّنا ولا تُذِلَّنا ) ) [3] . ولا أدري مَنْ أوحَى إليه بِهذا الزعْم؟ ولِماذا ذهبَ إلى إقحامِِ ما لا يحتاجُ إليه النصُّ لا نظمًا، ولا دلالةً؟!
ومنه قولُ العكبريِّ في قولِه تعالى: [مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ] [الفاتحة/4] : (( في الكلامِ حذفُ مفعولٍ تقديرُه: مالك أمر يوم الدين، أو مالك يوم الدين الأمرَ ) ) [4] . ولا ريبَ في أنَّ عموميةَ كلمةِ (يوم) تُضفي على (المُلْك) دلالةً أوسعَ بكثيرٍ من تخصيص (المُلْك) بكلمةِ (أمر) . فكلمةُ (يوم) تشملُ (أمره) ، وليس العكس، واللهُ أعلم.
ومنه قولُ العكبريِّ - أيضًا - في قولِه تعالى: [تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا] [البقرة/187] : إنَّ (((الفاء) هنا عاطفةٌ على شيءٍ مَحذوفٍ تقديرُه: تنبَّهوا فلا تقربوها )) [5] . وهو زعْمٌ يُؤجِّل ورودَ النَّهْي أوَّلًا، وهو (لا تقربُوها) ، إذ هو الغايةُ والهدف، ويُقدِّمُ ما هو أقلُّ شأنًا ولزومًا منه، أي: الطلب (تنبَّهوا) المزعوم. وطلَبُ النهْيِ وما فيه من زجْرٍ وردْعٍ - كما في النصِّ - ألزمُ وأجدرُ من طلَبِ إيقاعِ فعْلٍ، كما في الزعْم، واللهُ أعلم.
ومن بين تلكَ التقديراتِ ما لا يجوزُ لأحدٍ أنْ يقولَ بها وبأمثالِها في القرآنِ الكريم. إذ وردت مزعومةً في نصوصِ اكتفت بجزءٍ من الكلامِ دونَ جزءٍ آخرَ يظهرُ ويُذكَرُ في النظمِ نفسِه في نصٍّ آخرَ أو
(1) هو اكتفاءٌ.
(2) روح المعاني 86:19.
(3) البرهان 192:3.
(4) التبيان في إعراب القرآن 6:1.
(5) نفسه 83:1.