إِنَّ هذا المدى من الفَهْمِ الذي استشفَّه الزمخْشريُّ - رحمه الله - من النصِّ بصورتِه المنزَّلةِ لا يتأتَّى إلاَّ لِمَن ينظُرُ في كلامِ اللهِ في ضوءِ تيقُّنِه بأنه بين يدَي كلامٍ مُعجزٍ، ويُقِرُّ إقرارًا يقينيًّا بإعجازِه، وبِهذا يكونُ منتهَى طلبِه حينَ يتجِه إلى النظرِ فيه، وغايةُ مرادِه أنْ يستكشفَ دلائلَ إعجازِه الظاهرةَ والخفيةَ.
فالزمخشريُّ قد رأى في قولِه تعالى: [وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ... ] بصورتِه المنزَّلةِ من اتِّساعِ الدَّلالةِ ما يقصُرُ عنه ما زاد عليه ذلك المؤصِّلُ لكلامِ اللهِ، المُقحِمُ فيه ما ليس فيه، فإنَّ مظاهرَ الزينةِ إنَّما حُرِّمَ إبداؤُها لاتصالِها بجِسمِ المرأةِ وتعلُّقِها به، إذ هي مِما يزيدُ حُسنَ ما دونَها وما يليها، وبِهذا يكونُ ما زانته أشدَّ حُرمةً، وألزمَ في حجبِه ومنعِ إبدائِه. وذِكْرُ الزينةِ دونَ مواقعِها - عند الزمخشريِّ - (( للمبالغةِ في الأمرِ بالتصوُّنِ والتستُّرِ ) ).
فأينَ هذا الفهْمُ من ذلك الفهْمِ القاصرِ الذي يرى أنَّ ظاهرَ كلامِ الله بصورتِه المنزَّلةِ ليس هو الأصلُ، وإنَّما الأصلُ هو ما زاده عليه فجعلَه بِهذه الزيادةِ دونَ ما يؤدِّيه النصُّ المنزَّلُ، وأنزلَه بِها من علياءِ إعجازِه إلى مستوى كلامِ الناسِ لأنه يُجريه عليه!!
وعلى هذا فلا يدنو (( ولا يُبدِينَ مواضعَ زينَتِهِنَّ ) )من كلامِ اللهِ بشيءٍ، ولا يُمكنُ أنْ يكونَ أصلًا له بِحال، لأنَّه لا يُؤدِّي مؤدَّاه، ويقصُرُ في اتِّساعِ الدَّلالةِ عن بلوغِ مداه.
هذا غيضٌ من فيضِ التصوراتِ التي زُعِمت لمُعظمِ الآياتِ والنصوص والجملِ القرآنية، إن لَّم أقل: لها كلِّها. وهي - كما تبيَّنَ - تصوراتٌ قائمةٌ على فكرةِ التقدير، القائمةِ بدورها على فكرةِ الحذفِ والتزامِ القولِ بكلٍّ منهما، واعتمادِه سبيلًا في دراسةِ النصِّ القرآني.
ولعله من اللازمِ - هنا - الإشارةُ إلى أنَّ ثَمةَ تقديراتٍ كان يزعمُها بعضُ المفسرين والنحويين في بعضِ النصوصِ القرآنيةِ تكونُ مرفوضةً ومُنكَرَةً عند بعضِهمُ الآخرُ، إيمانًا من هذا البعضِ الآخر بأصالةِ نصِّ القرآنِ، وروعةِ نظمِه، وتناسبِه مع دَلالتِه التي سِيق هو لأجلِها.
من ذلك - على سبيل المثال لا الحصر - إنكارُ الآلوسيِّ ورفضُه تقديرًا لابنِ عصفور في قولِه تعالى: [فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ] [الشعراء/63] . إذْ قال: (( وزعمَ ابنُ عصفور في مثلِ هذا التركيبِ أنَّ المحذوفَ وهو(ضَرَبَ) وفاءُ (انفلق) . و (الفاءُ) الموجودةُ هي فاءُ (ضرب) . وهذا أشبهُ